8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لبنان رمز للمقاومة.. لمقاومة المشروع الإيراني

كان مفيدا ان يتحدث الامين العام لمجلس الامن القومي الايراني سعيد جليلي عن لبنان بصفة كونه رمزا للمقاومة. كانت تلك العبارة التي استهل بها جليلي زيارته الغريبة والمستغربة لبيروت وهي زيارة جاءت يوم اعلان رئيس الوزراء السوري السيد رياض حجاب، ابن دير الزور، انشقاقه. وهذا تطور يعني الكثير بالنسبة الى ايران التي ترفض الاعتراف بانها بدأت تفقد اوراقها الواحدة تلو الاخرى...
نعم لبنان يقاوم. انه يقاوم محاولات ايران فرض الهيمنة عليه واثارة الغرائز المذهبية والطائفية بعدما قاوم في الماضي اسرائيل التي عملت كلّ شيء من أجل ايجاد شرخ بين اللبنانيين وصولا، في العامين 1989
و1990، الى تشجيع اقتتال مسيحي- مسيحي او على الاصح تسهيل مثل هذا الاقتتال. انه اقتتال افتعله وقتذاك النائب المسيحي ميشال عون الذي كان قائدا للجيش اللبناني، في محاولة لاسترضاء النظام السوري لا اكثر!
ماذا جاء جليلي يفعل في بيروت؟ من كلّفه الحديث عن لبنان بصفة كونه رمزا للمقاومة؟ هل جاء يتفقد قواته في لبنان؟ هل جاء من اجل تأكيد ان ايران ترفض خسارة لبنان بعد خسارتها لورقة سوريا وان خسارتها لسوريا لا تعني بالضرورة خسارة لبنان؟
الارجح ان المسؤول الايراني جاء الى لبنان، ثم توجّه الى سوريا، ليقول ان بيروت ميناء ايراني على المتوسط وان ايران تمتلك الميليشيا الاكبر في لبنان، بل الميليشيا المذهبية الوحيدة الموجودة على الارض اللبنانية وهي قادرة على ان تفعل ما تشاء بلبنان وان تضع البلد في الخانة التي تشاء.
يبدو واضحا ان ايران لا تستطيع الاعتراف بانّ رهانها على النظام السوري، من منطلق مذهبي ليس الاّ، لم يكن رهانا في محلّه وان عليها، عاجلا ام آجلا، الاعتراف بالواقع الجديد المتمثّل في ان سوريا ستعود الى الحضن العربي ولن تعود مستعمرة ايرانية كما كانت عليه الحال في السنوات القليلة الماضية، خصوصا بعد اضطرار الجيش السوري الى الانسحاب من الاراضي اللبنانية. منذ لحظة الانسحاب السوري من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، صار النظام السوري تحت رحمة الوجود العسكري والامني لايران في لبنان. لم يعد من نفوذ لهذا النظام السوري خارج الاراضي السورية من دون ايران الاّ اذا استثنينا العمليات الارهابية التي كان يقف خلفها في العراق والتي اراد من خلالها تأكيد انه لا يزال يمتلك اوراقا اقليمية...
ليس مهمّا ما يقوله جليلي او ايّ مسؤول ايراني آخر عن لبنان. فالكلام الايراني لا يعبّر هذه الايام سوى عن عجز عن فهم ان لبنان يقاوم ايران اوّلا ومشروعها الاقليمي الذي لا هدف له سوى المتاجرة بالوطن الصغير ومواطنيه وعقد صفقة من هنا واخرى من هناك مع الشيطان الاكبر الاميركي اوالشيطان الاصغر الاسرائيلي.
يعرف اللبنانيون ذلك جيدا. ولذلك لا يصدّقون اي كلمة تصدر عن السيد حسن نصرالله الامين العام لـحزب الله الايراني الذي اراد طمأنة اللبنانيين الى ان حزبه لا يريد وضع اليد على لبنان. لو كان حزب الله، الذي ليس سوى لواء في الحرس الثوري الايراني، قادرا على وضع يده على لبنان كلّه لكان فعل ذلك منذ فترة طويلة. الدليل على ذلك انه لم يتردد لحظة في تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في لبنان والتمدد عن طريق شراء الاراضي في كلّ المناطق اللبنانية، على حساب المسيحيين والدروز تحديدا.
لو كان حزب الله زاهدا حقيقة في السلطة، لما كان نفّذ غزوة بيروت والجبل ولما كان فرض على اللبنانيين بقوة السلاح حكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي لا هدف من تشكيلها، بالطريقة التي شكّلت بها، سوى اذلال المسيحيين واهل السنّة...
ما يرفض جليلي الاعتراف به ان لبنان يقاوم بالفعل المشروع الايراني على الرغم من سلاح حزب الله الموجه الى صدور اللبنانيين العزّل. انه يهرب من الواقع في لبنان وسوريا وحتى في العراق.
هذا هو الواقع الذي يجعل النظام الايراني شريكا للنظام السوري في لعبة اسمها العيش في عالم خاص. انه عالم مرتبط بوهم الدور الاقليمي. هذا الوهم اوصل النظام السوري الى حيث هو الآن ومنعه من القيام باصلاحات جذرية وحقيقية منذ اليوم الاوّل الذي خلف فيه الرئيس بشّار الاسد والده في حزيران- يونيو من السنة 2000. هذا الوهم الاقليمي جعل النظام السوري عاجزا عن فهم ان السوريين انفسهم يعرفون جيّدا ان لا وجود لشيء اسمه مقاومة او ممانعة وانّهم يريدون الكرامة والحرية اوّلا. الاكيد انهم لا يريدون شهادة في الوطنية من جليلي او غيره من الايرانيين.
فشل النظام السوري في اصلاح نفسه لانّ بشّار الاسد لم يدرك منذ البداية ان الازمة التي تعاني منها سوريا ازمة عميقة وانه لا يمكن حلّها عن طريق الهروب المستمر الى امام او التخلص جسديا من هذه الشخصية الوطنية او تلك اكان ذلك في لبنان او سوريا.
كانت التصريحات التي صدرت عن مسؤول الامن القومي في بيروت ثم في دمشق دليلا على وحدة حال بين النظامين الايراني والسوري ومعاناة النظامين معا من وهم الدور الاقليمي. لو لم يكن الامر كذلك، لكان جليلي ورؤساؤه انصرفوا الى معالجة المشاكل العميقة لايران، ولكان تركيزهم على مقاومة الفقر الذي يعاني منه معظم الايرانيين بدل السعي الى المتاجرة بلبنان واللبنانيين وسوريا والسوريين وفلسطين والفلسطينيين والعراق والعراقيين.
اللعبة الايرانية انكشفت ولم تعد تنطلي على احد، تماما كما انكشفت قبل ذلك الاعيب النظام السوري وجرائمه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00