في هذه الايام، ايام استعادة ذكرى الغزو العراقي للكويت، يمكن التساؤل لماذا اصرار الرئيس بشّار الاسد على عدم الاستفادة بشيء من الاخطاء التي وقع فيها قبله صدّام حسين؟ مثل هذه الاستفادة منطقية نظرا الى ان صدّام كان على رأس نظام عائلي- بعثي، فيما الاسد على رأس نظام عائلي اوّلا وبعثي في وقت تدعو الحاجة الى ذلك.
ما لا بدّ من تذكّره هذه الايام انه في الثاني من آب- اغسطس الجاري، مرّت الذكرى الثانية والعشرون على المغامرة المجنونة التي أقدم عليها الرئيس العراقي الراحل في الكويت. انتهى صدّام حسين ونظامه العائلي- البعثي يوم اجتاز الجيش العراقي اول مركز حدودي كويتي.
كان رهان صدّام حسين في غاية البساطة. كان يعتقد انه سيدخل في مساومات مع العالم وهو ممسك بورقة الكويت. ظنّ انه قوة اقليمية تمتلك قرارها. كان رهانه ببساطة عقله السياسي الذي عجز دائما عن فهم المعادلات الاقليمية والدولية واستيعابها. اعتقد ان اطلاق الشعارات المرتبطة بفلسطين ستجعل الشارع العربي يهزّ عروش الحكّام العرب. كلّ ما في الامر ان صدّام انتهى عند حبل المشنقة وذلك عندما دقت ساعة الانتهاء من العراق الذي عرفناه منذ عشرينات القرن الماضي وتسليمه على طبق من فضّة الى ايران. الاكيد ان دور تفكيك ايران آت بعدما اعتقدت ان العراق الغنيّ بالنفط، والبلد العربي الى ما قبل فترة قصيرة، صار مستعمرة من مستعمراتها.
دفع النظام العراقي السابق ثمن الاعتقاد انه مسموح لدولة من العالم الثالث لعب ادوار اقليمية بدل الاهتمام بشؤونها الداخلية. لم يفرّق صدّام حسين يوما بين الدور المطلوب منه ان يلعبه من جهة والدور المحظور عليه من جهة اخرى. اعتقد ان في استطاعته احتلال الكويت والتفاوض مع العالم من مركز قوة، اي من موقع من يتحكّم بنحو عشرين في المئة من الاحتياط النفطي العالمي. لم يدرك ان رهانه خاسر سلفاً...
في العام 1990، حسب الرئيس العراقي الراحل انه قادر على ملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور السوفياتي في العالم وبدء انهيار ما كان يعتبر القوة العظمى الثانية على الكرة الارضية. خلط بين الوهم والواقع وصدّق ما كان يقال او يكتب في الاعلام الغربي عن ان الجيش العراقي رابع او خامس قوة في العالم. المخيف في الامر ان الولايات المتحدة راحت تتلذذ بعملية تفكيك العراق، وذلك عندما حلّ أوان ذلك..في السنة 2003 بعد وصول جورج بوش الابن الى الرئاسة.
يبدو ان الرئيس السوري بشّار الاسد لم يتعلّم شيئا من الدرس العراقي. نسي ان والده استطاع الحصول على رخصة تمديد للنظام في العام 1990 ومتابعة عملية الهروب من المشاكل العميقة التي تعاني منها سوريا، بعدما وافق على الانضمام الى التحالف الدولي الذي تولّى عملية تحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة الاميركية. كان مطلوبا من النظام السوري ارسال قوّات الى حفر الباطن كي يحصل على صكّ براءة اميركي يسمح له بالبقاء عسكريا وأمنيا في لبنان لفترة محددة لا اكثر بدل ان يلقى المصير الذي كان ينتظر النظام العائلي- البعثي الآخر في العراق.
لم ينس حافظ الاسد يوما ان عليه التزام المطلوب منه اميركيا واسرائيليا وان هناك خطوطا لا يستطيع تجاوزها. كان يعرف جيّدا انه مسموح له بالمتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم وبجنوب لبنان واهل الجنوب وابقاء هذه الجبهة مفتوحة ما دام لا اعتراض اسرائيليا على ذلك. فإسرائيل هي التي رسمت الخطوط الحمر للقوات السورية في لبنان وهي التي كانت تريد بقاء الجنوب خارج سيطرة الجيش اللبناني بحجة انها في حاجة الى الاشتباك مع الفلسطينيين بين وقت وآخر.
لم يستوعب بشّار الاسد يوما المعادلة التي مكّنت النظام السوري من ان يكون لاعبا اقليميا، ولو في الاطار المحدد لسوريا اميركيا واسرائيليا، ايام والده. لم يفهم ان المعادلة الاقليمية تغيّرت جذريا في اللحظة التي قرر فيها الاميركيون اسقاط نظام صدّام حسين ومعه العراق السابق.
عندما رفض بشّار الاسد النقاط التي قدمها له في ايار- مايو 2003 كولن باول وزير الخارجية الاميركي وقتذاك، اتخّذ الرئيس السوري قرارا بالسير على خطى صدّام حسين. بعد ذلك، لم يقرأ القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الامن بأبعاده المختلفة، بل مدّد للرئيس اللبناني اميل لحود على الرغم من ان القرار كان دعوة صريحة الى الامتناع عن ذلك. الاهمّ من ذلك انه تجاهل كلّيا انه معني مباشرة بالقرار وان عليه الانسحاب عسكريا من لبنان.
حاول بعد ذلك تغطية هذا التمديد بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. كانت النتيجة الخروج من لبنان. وفي سياق تغطية كل جريمة بأخرى اكبر منها، شارك مع ايران في افتعال حرب صيف العام 2006 ورفع بشّار الاسد اشارة النصر، على لبنان والعرب، فيما كانت النتيجة الحقيقية للحرب هزيمة ساحقة للبنان واللبنانيين.
لم يفرّق الرئيس السوري، المصرّ على السير على خطى صدّام، يوما بين الوهم والحقيقة. حسب ان الفرص التي اعطيت له من اجل استعادة وعيه هي رضوخ من قبل المجتمع الدولي امام لاعب اقليمي متميّز متحالف مع ايران. في مطلع السنة 2011، ذهب حتى الى الانقلاب على اتفاق الدوحة وتشكيل حكومة تابعة لـحزب الله الايراني في لبنان!
ما نشهده اليوم فصل اخير من فيلم عراقي يعاد عرضه على الشاشة السورية. مع فارق واحد انه لم تتوفر لصدّام يوما الفرص والمخارج التي توفّرت لبشّار والتي تفنن في إضاعتها الواحدة تلو الاخرى...
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.