8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إعادة الحياة الى الاتحاد المغاربي.. من أصيلة!

الموعد مع أصيلة يتجدد سنوياً. كم هي مدهشة أصيلة؟ مدهشة من خلال القدرة على التجدد التي يمتلكها موسمها الثقافي الدولي الذي بلغ هذه السنة الرابعة والثلاثين من العمر. الموسم لا يزال في بداية شبابه التي تضمنها القدرة على التطور مع ما يدور في العالم الحضاري.
تكمن أهمية الموسم السنوي لأصيلة، المدينة المغربية الصغيرة المطلة على المحيط الأطلسي، في مواكبته للمستجدات مغربياً ومغاربياً وعربياً ودولياً. إنّه يواكبها سياسياً وثقافياً واجتماعياً وفنّياً عبر سلسلة من التظاهرات امتدّت على نحو أسبوعين. لم تعد أصيلة حدثاً عربياً أو مغاربياً عارضاً. صارت محطة ثابتة من المحطات السياسية والثقافية في المنطقة.
صحيح أن أصيلة مدينة أطلسية، إلاّ أن الصحيح أيضاً أنها على مرمى حجر من المتوسط ومن ضفّته الأوروبية نظراً الى أنها لا تبعد عن طنجة، المدينة المتوسطية- الأطلسية أكثر من خمسة وثلاثين كيلومتراً. أصيلة مدينة مغربية، لكنّها أيضاً على مرمى حجر من أوروبا وهي موقع جغرافي مميّز بالنسبة الى التعامل مع المنطقة وكلّ ما هو حضاري في العالم. لذلك تهتم أصيلة بالحوار بين ضفتي المتوسط وبحقوق المرأة ودورها في الربيع العربي. كذلك أصيلة في وسط الحركة الثقافية المغربية، خصوصاً في مجال الرسم. كان لهذا المجال موقع خاص في الموسم الرابع والثلاثين. كان هناك معرض تشكيلي لجيلين من الفنانين منذ بداية الستينات من القرن الماضي الى الآن... كان المعرض رائعاً بالفعل وشكّل بحد ذاته جهداً استثنائياً في سياق إبراز أهمية بعض الثروة الثقافية المغربية المتمثل في هذا العدد الكبير من الفنانين التشكيليين.
كان اتحاد المغرب العربي ضيف الشرف لموسم السنة. مثل هذا الخيار موفق وفي مكانه وتوقيته الصائب على الرغم من قول السيد محمد بن عيسى إن انعقاد مثل هذه الندوة في أصيلة تأخّر. قد يكون هذا التقويم صحيحاً، ولكنّ ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أن ظروفاً جديدة فرضت على الدول الخمس في الاتحاد المغاربي الالتقاء مجدداً والبحث في ما يمكن عمله في مواجهة التحديات المستجدة التي لم تعد توفّر أي دولة من دول المنطقة، بمن فيها الجزائر.
وبن عيسى هو وزير الخارجية المغربي السابق والأمين العام لـمؤسسة منتدى أصيلة وهو أيضاً رئيس البلدية. إنه رمز نجاح المدينة الصغيرة التي تحولت خلال فترة قصيرة من قرية للصيادين الى تجمع سكّاني متوسط الحجم... لم يعد ينقصه سوى فندق فخم يليق بأصيلة وبما باتت تمثله المدينة.
صيف السنة 2012 هو الوقت المناسب لتناول قضية مهمة مثل دور النخب في أفق بناء الاتحاد المغاربي. السبب في غاية البساطة. إنه عائد الى كون المنطقة كلّها في مرحلة مخاض في ضوء التغيير الجذري الذي حصل في تونس وليبيا من جهة والخطر الذي بات يمثله الإرهاب الذي مصدره الشريط الصحراوي على كلّ دول الاتحاد المغاربي من جهة أخرى. من لديه أي شكّ في مدى انعكاس ذلك على الاتحاد المغاربي يستطيع العودة بالذاكرة الى الماضي القريب. قبل سنوات قليلة، نسيت الدول الأعضاء في الاتحاد المغاربي وجود مثل هذا التكتل. قبل أشهر قليلة تغيّر كلّ شيء على الرغم من أن الأسباب التي أدّت الى وضع الاتحاد الذي انعقدت قمته الأخيرة في العام 1994 في الثلاجة لا تزال قائمة. في مقدم هذه الأسباب أزمة مفتعلة اسمها الصحراء الغربية، وهي أزمة مغربية- جزائرية بامتياز، وبقاء الحدود مغلقة بين قطبي الاتحاد، أي المغرب والجزائر منذ العام 1994.
فجأة، عادت الحياة الى الاتحاد المغاربي. انعقد أخيراً اجتماعان على مستوى وزراء الخارجية للبحث في ما تشهده المنطقة من تطورات، خصوصاً تحول شمال مالي قاعدة لإرهاب القاعدة. لم تعد أزمة الصحراء الغربية حاجزاً يحول دون التنسيق الأمني بين دول الاتحاد. لم تعد الجزائر تسعى الى إقصاء المغرب عن التعاون الأمني بين دول المنطقة. شيئاً فشيئاً تعود العلاقات بين دول الاتحاد. موسم أصيلة يتابع هذا التطور وقد بحثت الندوة التي خصصت لـدور النخب في أفق بناء الاتحاد في ما يمكن عمله من أجل العودة بالمنطقة الى علاقات طبيعية بين دولها. ذهب محمد بن عيسى الى حد تأكيد أن الاتحاد المغاربي ليس خياراً استراتيجياً لا محيد عنه فحسب، بل إنه أيضاً خيار حياة لقهر الفقر والجهل والظروف الصعبة التي تمر بها شعوبنا. إما نكون أو لا نكون.
وذهب الأستاذ الجامعي الجزائري واسيني الأعرج الى أبعد من ذلك بقوله إنّ المغاربية لم تعد خياراً. صارت قدراً. وأغنى الزميل عبدالله السيّد ولدباه عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الموريتانية سابقاً الندوة بتركيزه على أهمية منظور الأفق الساحلي- الصحراوي في مشروع المغرب العربي. وأشار في هذا المجال الى أن ما نريد أن نخلص اليه هو أن إحياء المشروع الاندماجي في المغرب العربي لا بدّ أن يراعي معطيات وحقائق المعادلة الجديدة في منطقة الساحل والصحراء بدل الاكتفاء بالقبلة المتوسطّية الشمالية التي لا خلاف في شأن أهمّيتها الاستراتيجية.
كان النقاش المتعلّق بمستقبل الاتحاد المغاربي أكثر من مفيد. لم يكن دليلاً على الدور الطليعي لموسم أصيلة في متابعة الأحداث ومواكبتها فحسب، بل أعطى أيضاً فكرة عمّا يمكن أن تساهم به مؤسسة ثقافية تهتم أيضاً بدور المرأة على كلّ صعيد في مجال تطوير الفكر السياسي في منطقة تحتاج أوّل ما تحتاج الى تخلي بعض زعمائها عن عقدة اسمها وهم الدور الإقليمي...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00