لم يكن انتصار الكورة انتصارا لسمير جعجع و14 آذار على الحاقدين من كلّ الانواع والمشارب. لم يكن انتصارا ارثوذكسيا يؤكد مدى تعلّق الارثوذكس بلبنان العربي، بالمفهوم الحضاري للعروبة، بعيدا عن اي نوع من التبعية والعمالة. كان اكثر من ذلك بكثير. كان انتصارا للبنان. وكان دليلا ساطعا على ان لبنان يقاوم. الشعب اللبناني يقاوم. الشعب اللبناني مقاوم. يقاوم عملاء النظامين السوري والايراني وادوات الادوات المسيحية، من نوعية النائب ميشال عون ومن على شاكلته من الملتحقين بمشروع حلف الاقليات العنصري. هذا المشروع الذي لا افق له من اي نوع كان باستثناء انه يلتقي مع المشروع الاسرائيلي الهادف إلى تفتيت المنطقة كلّها وتقسيمها على اسس دينية وطائفية ومذهبية.
لم يكن انتصار مرشح القوات اللبنانية في انتخابات الكورة انتصاراً عادياً. كان انتصارا للبنان وللصيغة اللبنانية على اولئك الساعين إلى تدمير البلد وتفتيته. انه تتمة لسلسلة المعارك التي يخوضها اللبنانيون منذ ما يزيد على أربعة عقود من أجل تأكيد تمسكهم بثقافة الحياة بديلاً من ثقافة الموت التي في أساسها تدفق الأسلحة من الاراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية. لم يفعل النظام السوري منذ كان حافظ الاسد وزيرا للدفاع سوى ارسال الأسلحة إلى لبنان من أجل خلق حروب صغيرة وكبيرة في الوطن الصغير واذكاء نار الفتنة بين الطوائف والمذاهب ومع الفلسطينيين. لم يتخل النظام السوري يوماً عن شعاره المفضل المتمثّل في ان الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على اسرائيل.
يدفع النظام السوري حالياً اليوم ثمن هذه السياسة الجوفاء التي اتبعها منذ ما بعد خسارته الجولان في العام 1967، وحتّى قبل ذلك، عندما كان الأسد الأب لا يزال وزيرا للدفاع.
قامت هذه السياسة على افقار سوريا والسوريين والتدخل يومياً في شؤون لبنان وصولاً إلى مرحلة الإفلاس، أي المرحلة التي تحوّل فيها النظام السوري في العام 2005 إلى اسير لدى حزب مذهبي تابع للنظام الإيراني يسعى إلى السيطرة على لبنان واللبنانيين بكل الوسائل المتاحة. تشمل هذه الوسائل الاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة من أراضي المسيحيين والدروز حيث في استطاعته ذلك.
أليس من سخرية القدر ان يكون رهان نظام يدعي العروبة والعلمانية في سوريا على حزب مذهبي في لبنان؟ أكثر من ذلك، كيف يمكن لنظام سوري يتحدث عن العروبة الرهان على هذا الحزب المذهبي الذي يتحدث عن انتصار وهمي تحقق في حرب صيف العام 2006؟ كيف يمكن الرهان على حزب يسعى إلى تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في لبنان عن طريق إلحاقه بما هو غريب كل الغرابة عنه،أي ثقافة الموت التي ينتمي إليها هذا الحزب؟
اكّد انتصار الكورة، بما لا يدع مجالاً للشكّ، ان اللبنانيين يفرّقون بين ثقافة الموت وثقافة الحياة. لم يصوّتوا لمرشح القوات فحسب، بل صوّتوا أيضاً ضدّ كل ما يمثله الحزب السوري القومي الذي لم يعد يمتلك، في ضوء الأزمات البنيوية والايديولوجية التي مرّ بها عبر تاريخه الطويل، سوى مشروع وحيد يتمثّل في ان يكون أداة من ادوات الأجهزة الأمنية السورية في لبنان. وقد جاءت الأزمة التي تمرّ بها سوريا حالياً، وهي أزمة كيان ونظام في الوقت ذاته، لتكرّس هذا الواقع المؤلم.
أبعد من معركة الكورة، اثبت لبنان انه صامد وان الصيغة اللبنانية اقوى بكثير مما يعتقد وان الصيغة الهشة هي الصيغة السورية التي تقوم على ممارسة عملية هروب مستمرّة إلى امام. انّها في الواقع هروب دائم من أزمة الكيان السوري التي لم تجد ولن تجد حلاً الاّ بالديموقراطية والمساواة بين المواطنين والطوائف والمناطق...في حال كان مطلوبا تفادي حرب اهلية طويلة ذات طابع مذهبي تؤدي إلى تفتيت البلد.
المؤسف ان سوريا تبدو مقبلة على ذلك في غياب قرار جريء بالتنحي يتّخذه الرئيس بشار الاسد اليوم قبل الغد. يفترض بالاسد الابن امتلاك ما يكفي من الشجاعة لاتخاذ مثل هذا القرار وان لا يصدّق أي كلمة تصدر عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي يبدو واضحا انه شريك في مشروع يصبّ في عملية تفتيت سوريا، وهو مشروع قد لا تكون اسرائيل بعيدة عنه!
ما حصل في الكورة كان فعل مقاومة. انها المقاومة الحقيقية التي تؤكد لـحزب الله الايراني الذي اخذ على عاتقه اذلال لبنان واللبنانيين، خصوصا اهل السنّة والمسيحيين والدروز، مستخدما كلّ الوسائل المتاحة بما في ذلك حكومته، اي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ان الوطن الصغير ليس لقمة سائغة.
اذا كان من شكر لا بدّ من توجيهه إلى الذين هزموا النظامين الايراني والسوري في الكورة، فانّ هذا الشكر لا يوجه إلى القوات وسمير جعجع فقط. انه يوجّه ايضا إلى كلّ الشرفاء الذين يقاومون المسلسل الانقلابي الذي يتعرّض له لبنان. بدأ المسلسل بالتمديد لاميل لحود في خريف العام 2004 وتوّج باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في شباط 2005 واستمرّ مع سلسلة الاغتيالات التي استهدفت مجموعة من كبار رجالات لبنان وصولا إلى حرب صيف العام 2006 التي افتعلها حزب الله ثم الاعتصام في بيروت وغزو المدينة والجبل الدرزي في ايار- مايو 2008... وتشكيل الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي.
هذا ما يعرفه اللبنانيون جيّدا. ولذلك يقاومون ويوجهون الشكر في الوقت ذاته إلى الرئيس سعد الحريري، والرئيس امين الجميّل، والرئيس فؤاد السنيورة، وإلى رمز الوفاء فريد مكاري نائب رئيس مجلس النواب، وإلى الزعيم الدرزي المغلوب على امره وليد جنبلاط، وإلى كلّ من ساهم في توعية اللبنانيين إلى طبيعة الخطر الذي يواجهونه، خصوصا نوّاب بيروت وطرابلس وعكّار. انّه خطر اسمه حزب الله الايراني الذي ورث، حسب اعتقاده، الوصاية السورية على لبنان ويحاول هذه الايّام تكريسها بطريقته الخاصة مستخدما بعض اولئك الذين لا يصلحون لانّ يكونوا اكثر من توابع له او لغيره... من ميشال عون إلى الحزب السوري القومي وما شابه ذلك!
خير الله خير الله
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.