8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهمة أنان وخطورة إضاعة الوقت

أسوأ ما في مهمة المبعوث الدولي والعربي الى سوريا أنها طالت أكثر مما يجب. فالواضح أن كوفي أنان غير قادر على اتخاذ موقف من المجزرة التي يتعرّض لها الشعب السوري يومياً. إنه يضع القاتل والضحية عند قدم المساواة ويذهب حتّى الى تبرير الفظائع التي يرتكبها النظام والتي جعلت شخصاً مثل العميد مناف طلاس يتخلّى عن بشّار الأسد.
هل إضاعة الوقت جزء من مهمة كوفي أنان؟ ذلك ليس مستبعداً نظراً الى أن طبيعة الرجل الذي شغل في الماضي موقع الأمين العام للأمم المتحدة تؤهله للعب مثل هذا الدور. لو لم يكن الأمر كذلك، لما زار المبعوث العربي والدولي طهران سعياً الى تسوية سياسية في سوريا، علماً أن إيران متورطة الى ما فوق أذنيها في الصراع الداخلي السوري إن بشكل مباشر أو عبر أداتها اللبنانية المسمّاة حزب الله. إيران لا يمكن أن تكون جزءاً من أي تسوية نظراً الى أن مستقبل وجودها الطاغي في سوريا مرتبط ببقاء النظام أو رحيله.
مع رحيل النظام، لا يمكن لإيران أن تكون موجودة في سوريا. ولأنّها باتت مقتنعة بذلك، لم يعد أمامها سوى دعم النظام السوري الى النهاية. إنه الخيار الوحيد الباقي أمام النظام الإيراني الذي يسعى في الوقت ذاته الى إغراء روسيا باتخاذ مواقف متصلبة حيال كلّ ما من شأنه إطالة عمر النظام وإغراق الشعب السوري في مزيد من الدم. ليس سرّاً أيضاً أن إيران تلعب دوراً محورياً في جعل العراق، المنقسم على نفسه، ممرّاً لجزء من المساعدات التي تصل الى النظام السوري من منطلق طائفي ومذهبي ليس إلاّ...
ماذا ذهب أنان يفعل في طهران؟ هل يستطيع إقناع المسؤولين الإيرانيين أن لا مصلحة لهم في زيادة التورط في الصراع القائم في سوريا، وهو صراع بين شعب يريد استعادة حريته وكرامته لا أكثر ونظام يعتبر البلد مزرعة والسوريين عبيداً لديه لا أكثر؟
لا مخرج في سوريا ولسوريا في غياب موقف واضح يأخذه المجتمع الدولي كلّه انطلاقاً من الواقع المتمثل في أن النظام انتهى وأن على الرئيس بشّار الأسد وأفراد عائلته والقريبين منه ترك السلطة. لا مفرّ من مرحلة انتقالية تتولاها قيادة أو حكومة وحدة وطنية لا علاقة للنظام القائم بها من قريب أو بعيد. كلّ ما عدا ذلك مجرد إضاعة للوقت وزيادة لعذابات الشعب السوري الذي أثبت أنه لا يمكن أن يخرج من الشارع قبل سقوط النظام.
المؤسف، في ضوء تصرّفات أنان، أقلّه الى الآن، أنه لم يستوعب تماماً ما يجري على الأرض السورية. الأهمّ من ذلك أنّه لم يقرأ في كتاب ما بعد الثورات العربية التي أطاحت زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمّر القذافي. لم ينجو منها إلاّ علي عبدالله صالح الذي عرف كيف يساوم من أجل البقاء في صنعاء ولكن خارج دار الرئاسة... أي السلطة.
يفترض في الأمين العام السابق للأمم المتحدة إدراك أن ما يدور في سوريا هو أمّ الثورات العربية. لا عودة عن الثورة في سوريا إلا بإسقاط النظام. هناك شعب يقدم يومياً عشرات الشهداء من أجل استعادة حرّيته. وهناك حاكم يرفض أخذ العلم بذلك ويتصوّر أن الشعب لا يزال معه. إذا لم يكن في استطاعة كوفي أنان عمل شيء من أجل وقف العنف ليعلن صراحة أن المجتمع الدولي مقصّر وليسمّ الأشياء بأسمائها، بما في ذلك الاعتراف بأنّه كلّما طالت الأزمة السورية، زادت مخاطر تفتيت البلد. هل هذا ما يسعي اليه الذين اختاروا كوفي أنان مبعوثاً دولياً- عربياً الى سوريا؟ هل المطلوب إضاعة الوقت ولا شيء غير ذلك من أجل الوصول الى انهيار داخلي في هذا البلد العربي المهم؟
كلّما مرّ يوم يقترب موعد معركة دمشق. ستكلّف تلك المعركة الكثير من الضحايا. ستزداد درجة العنف. كلّ ما يفترض بأنان عمله هو التخلي عن دور الموظف الإداري الذي يتقنه والانتقال الى السياسة.
في السياسة، لم يكن انتقال مناف مصطفى طلاس الى الخارج حدثاً عابراً. الرجل نفسه ليس مهمّاً. لكن انتقاله يعني أوّل ما يعني أن النظام القائم لم يعد يمتلك سوى فرق الشبيحة تدافع عنه. شئنا أم أبينا، كانت عائلة طلاس التي ارتبطت بعلاقة تاريخية مع آل الأسد، بصفة كونها عائلة سنّية من خارج المدن الكبرى، جزءاً من النظام. كانت تشكّل بالنسبة اليه آخر غطاء سنّي...
يفترض بشخص مثل كوفي أنان إدراك هذا الواقع وإبلاغ كلّ من يعنيه الأمر أن العنف في سوريا لن يتوقف ما دام بشّار الأسد في السلطة وأن البحث يجب أن يتركز على كيفية خروجه. الحلّ اليمني فات أوانه إلاّ إذا كان وارداً إنشاء دولة علويّة يلجأ اليها بشّار ومن معه.
ولكن مرّة أخرى، هل يبحث كوفي أنان عن مخرج في سوريا ولسوريا أم أن كلّ مهمّته تتلخّص بالرغبة في إضاعة الوقت؟ مثل هذا السيناريو ليس جديداً. حدث قبل ذلك في العراق. كان في استطاعة التحالف الدولي الذي حرّر الكويت في بداية العام 1991 استكمال مسيرته الى بغداد. فضّل التوقف عند نقطة معيّنة. انتظر ثلاث عشرة سنة قبل الإقدام على خطوة إسقاط النظام العراقي بالقوة. كان مطلوباً حصول تآكل للعراق من داخل كي لا تقوم للبلد قيامة يوماً. هل هذا هو الهدف من مهمّة أنان بغض النظر عن نيات الرجل... التي قد تكون طيبة وقد لا تكون كذلك؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00