لماذا على كلّ لبناني الخوف من إصدار وزارة الخارجية السعودية تحذيراً الى مواطني المملكة تضمّن دعوة الى تفادي زيارة لبنان؟ الجواب بكلّ بساطة إن الموقف السعودي الذي اتخذ بعناية وبعد تمعن لا يمكن فصله عن وجود حكومة حزب الله في لبنان. صحيح أن على رأس الحكومة شخصية سنّية تحاول الظهور في مظهر من يحاول تفادي مواجهة سنّية - شيعية في البلد، إلاّ أن الصحيح أيضاً أن ليس في استطاعة أي دولة خليجية تجاهل المصير الذي آل اليه لبنان بعدما صار تحت السيطرة الإيرانية بفضل حكومته الحالية.
ليس في لبنان مواطن يريد مصلحة البلد يسعى الى مواجهة سنّية- شيعية أو مسيحية- إسلامية. كلّ ما في الأمر أن هناك واقعاً لا مجال لتجاهله يتمثّل في أن لبنان، في ظل الحكومة الحالية برئاسة السيّد نجيب ميقاتي تحوّل مستعمرة إيرانية. وهذا ما تتخوّف منه دول الخليج العربي، على رأسها المملكة العربية السعودية الحريصة على سلامة رعاياها أوّلا.ً
جاء الموقف السعودي الذي يحذّر من زيارة رعايا المملكة للبنان بعد سلسلة من المواقف المماثلة اتخذتها دول خليجية عدّة على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر. اتّخذت خمس دول من أصل الست التي يضمها مجلس التعاون لدول الخليج العربية موقفاً من زيارة رعايها للبنان. وهذا يعني في طبيعة الحال أن هذه الدول تشعر بأنّ هناك خطراً على مواطنيها في الوطن الصغير وهي لا تريد في أي شكل تعريضهم لأي مخاطر من أي نوع كان.
خلاصة الأمر أن لبنان لم يعد مكاناً آمناً للعرب وأنه صار بكل بساطة مستعمرة إيرانية، خصوصاً بعد إغلاق الطريق المؤدية الى مطار بيروت مرّات عدة أخيراً واستمرار العراضات المسلحة لأنصار إيران في بيروت وسعيهم بكلّ الوسائل المتاحة الى افتعال صدام سنّي- سنّي في كلّ منطقة لبنانية بغية تغطية عملية وضع اليد على لبنان.
لا مفرّ من تسمية الأشياء بأسمائها. لم يقدم الخليجيون على خطوة تحذير مواطنيهم من زيارة لبنان إلاّ بعد تأكدهم بالملموس أن هناك رغبة إيرانية في تحويل البلد الى امتداد للمحور الإيراني- السوري المعادي لكلّ ما هو عربي في المنطقة. أكثر من ذلك، بات العرب، خصوصاً أهل الخليج، على دراية بأنّه كلما زادت الضغوط على النظام السوري الذي يواجه ثورة شعبية حقيقية تستهدف استرداد السوريين والعرب لسوريا، زادت الرغبة الإيرانية في الاحتفاظ بلبنان مستعمرة وببيروت ميناء إيرانياً على المتوسط.
يعرف العرب والخليجيون أن المطلوب طردهم من لبنان ومن بيروت. إنهم يردون على ذلك بإجراءات احترازية من بينها رفض أن يكون مواطنوهم رهائن لدى إيران أو النظام السوري في لبنان.
هل يفهم لبنان الرسالة الخليجية؟ الواضح أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن ذلك. والواضح أيضاً أن هناك هوة كبيرة تفصل بين معظم اللبنانيين وحكومتهم الحالية التي تعمل من أجل فرض أمر واقع في البلد. هذا ما يفهمه الخليجيون قبل غيرهم. إنهم يفهمون أن في لبنان من يرفض فوضى السلاح والغوغاء ويرفض خصوصاً الطريقة التي تشكّلت بها الحكومة الحالية عن طريق إرهاب الزعيم الدرزي كمال جنبلاط الذي اضطر الى الانتقال من موقع الى آخر.
في النهاية، ليست الحكومة الحالية سوى مولود غير طبيعي نتج عن امتلاك حزب مذهبي معيّن تابع مباشرة لإيران السلاح وتوجيه هذا السلاح الى اللبنانيين الآخرين العزل. يشمل ذلك، حقّاً، أبناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين من بين أول رهائن حزب الله وأسراه في لبنان.
كان طبيعياً أن تقدم دول الخليج على ما أقدمت عليه وذلك عندما تكون هناك حكومة لبنانية الهدف الأول من تشكيلها اذلال أهل السنّة والمسيحيين. هل من ذلّ لمسيحي لبناني أكبر من ذلّ أن يكون الوزراء المسيحيون في الحكومة تابعين، في معظمهم، للنائب ميشال عون التابع بدوره لـحزب الله؟ هل من ذلّ للسنّة أكبر من ذلّ ما يتعرّضون له في بيروت وطرابلس وعرسال ومناطق شمالية وبقاعية أخرى؟
ما نشهده حالياً على كلّ صعيد في لبنان هو استمرار لعملية وضع اليد على لبنان بلغت ذروتها بالتمديد للرئيس السابق اميل لحود خريف العام 2004 وذلك رغم صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ثم محاولة اغتيال النائب مروان حماده في الأول من تشرين الأول اكتوبر من تلك السنة وصولاً الى الجريمة الكبرى، جريمة العصر المتمثلة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط- فبراير 2005.
صمد اللبنانيون. اخرجوا الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، فكانت سلسلة التفجيرات والاغتيالات التي طاولت اللبنانيين العرب الشرفاء حقاً من سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وصولاً الى بيار أمين الجميّل ووليد عيدو وانطوان غانم والشهيدين الحيين الياس المرّ ومي شدياق.
تابع اللبنانيون صمودهم، فكان افتعال حرب صيف 2006 مع إسرائيل ثم الاعتصام وسط بيروت لتعطيل الاقتصاد، ثم غزوة بيروت والجبل في أيار- مايو 2008 وصولاً الى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل الحكومة الحالية التي يقاومها اللبنانيون.
كان صمود الشعب اللبناني مقدمة لصمود الشعب السوري الذي بدأ ثورته على الظلم والطغيان. ما يجمع بين اللبنانيين والسوريين حالياً هو أنهم يتعرضون للهجمة نفسها من الجهة نفسها. هذا ما يستوعبه الخليجيون الحريصون على السوريين واللبنانيين وبقاء لبنان وسوريا دولتين عربيتين بالمفهوم الحضاري للكلمة. هذا ما جعلهم يفوتون على أعداء لبنان وسوريا فرصة للانتقام منهم في لبنان- الساحة إثر وقوفهم مع الحقّ ولا شيء آخر غير الحق.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.