على الرغم من أن المجتمع الدولي، بمن فيه روسيا، بات مقتنعاً بأنّ النظام السوري انتهى وأنّ لا بدّ من مرحلة انتقالية تمهدّ لانتقال سوريا الى حكم جديد، لا بدّ من النظر الى أبعد من الأحداث السورية. من المفترض النظر الى أبعد من سوريا ولكن من دون تناسي أنّ ما يمرّ به هذا البلد، انطلاقاً من الثورة الشعبية الحقيقية التي تجري على أرضه، يمثّل تحوّلاً تاريخياً على الصعيد الإقليمي، وذلك بكلّ ما في كلمة تاريخي من معنى.
ما تكشفه الأحداث اليومية التي يمرّ بها الشرق الأوسط أن التغييرات التي تشهدها المنطقة لا تزال في بداية البدايات. يكفي طرح مجموعة من الأسئلة للتأكد من ذلك. على سبيل المثال وليس الحصر يمكن التساؤل مثلاً: هل هناك من يستطيع التكهّن بمستقبل سوريا؟ مثل هذا السؤال مطروح على الرغم من أن الأمر الوحيد الذي بات محسوماً في سوريا هو أن النظام انتهى. لم تكن حاجة الى الاجتماع الأخير الذي انعقد في جنيف بحضور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتكريس ذلك والتأكد منه. ماذا تعني نهاية النظام؟ هل تبقى سوريا موحّدة أم تتحول دولاً عدة... أم صومال آخر؟. هناك خوف مستمرّ من صوملة اليمن. الخوف الآن من صوملة سوريا في منطقة حساسة جدّاً نظراً الى أن لسوريا، المطلة على البحر المتوسط، حدوداً مع كلّ من تركيا والعراق والأردن وفلسطين ولبنان.
لعلّ الخطر الأكبر الذي ينطوي عليه استمرار تدهور الأوضاع الداخلية في سوريا هو خطر الحرب المذهبية التي سيرافقها حتماً تفتيت للبلد. لقد تغيّرت التوازنات السياسية الإقليمية في ضوء الزلزال العراقي الذي بدأ بالاجتياح الأميركي للبلد والذي صبّ في آخر المطاف في مصلحة إيران.
الآن، في ظلّ ما يحصل في سوريا، صار مطروحاً تغيير الحدود القائمة بين الدول. فما لا يمكن أن يغيب عن البال أن دولة مثل تركيا عانت طويلاً من النظام السوري الحالي الذي صدّر اليها طوال أكثر من أربعة عقود أسلحة وإرهابيين من كلّ الأشكال والأنواع، لن تجد مشكلة في ايجاد منطقة نفوذ لها داخل الأراضي السورية. إضافة الى ذلك، لن تجد مناطق سورية معيّنة قريبة من العراق حرجاً في أن تكون امتداداً لمناطق ومحافظات عراقية يغلب عليها الطابع السنّي. كذلك، هناك عائلات سورية ستلجأ الى الأردن نظراً الى النسيج الاجتماعي الواحد القائم في منطقة الحدود السورية - الأردنية حيث السكّان، في معظمهم من السنّة والدروز.
خلاصة الكلام، إن أي استمرار للأزمة في سوريا لا يعني أن الحرب الأهلية صارت قدراً فحسب، بل يعني أيضاً أن الكيان السوري مقبل على حال من التفكك لا يمكن إلا أن تكون لها انعكاساتها على كلّ دول المنطقة عربية أو غير عربية. فمن كان يصدق قبل فترة قصيرة أن السودان سيصبح دولتين، ومن يصدّق أن رئيس مصر سيكون من بين الأعضاء البارزين في حركة الإخوان المسلمين التي ولدت من رحمها تنظيمات إسلامية أكثر تطرّفا، من كان يصدّق أن العراق، العضو المؤسس في جامعة الدول العربية، سيصبح بلداً ذا هوية رمادية؟. هذا لا يعني في طبيعة الحال، أن النظام العائلي- البعثي الذي كان يحكّم العراقيين حمى هوية البلد بمقدار ما يعني أنّه لعب دوراً أساسياً في القضاء على النسيج الاجتماعي فيه. إنه الدور نفسه الذي لعبه، وما يزال يلعبه، النظام السوري القائم الذي جعل السوريين يبلغون مرحلة باتوا فيها يفضّلون الموت على العودة الى منازلهم والرضوخ مجدداً لرغبات مجموعة صغيرة تنتمي الى عائلة معيّنة من طائفة معيّنة اعتبرت سوريا مزرعة...
من لديه أدنى شكّ في مدى عمق التغييرات التي يمرّ فيها الشرق الأوسط، يستطيع العودة الى كلام سجّله خطياً محمود شريح، الذي سبق له وكان أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو صديق للدكتور كمال الصليبي، رحمه الله، الذي غادرنا قبل أشهر قليلة. في الجلسات الأخيرة التي جمعته بأصدقاء له قال الصليبي الذي يعتبر مؤرخاً كبيراً وربّما أهمّ المؤرخين العرب في القرن العشرين: إن انهيار سوريا مسألة وقت. إنه انهيار محتم. ما نشهده حالياً شبيه بما شهدناه في دمشق خلال القرن الحادي عشر عندما اجتاحها القرامطة. لم يسبق لأيّ نظام عربي أن دخل في حرب مع شعبه بالطريقة التي يفعلها النظام السوري الحالي. لقد نزل السوريون الى الشارع ولن يعودوا الى بيوتهم. باتوا يفضلون الموت في الشارع على العودة الى البيت.
ما لم يتنبّه اليه النظام السوري، هو أنه بعد سقوط حسني مبارك، ستسقط الأنظمة العربية الأخرى. إن القاهرة هي العاصمة العربية التي تحمي لبنان. بيروت ودمشق ضاحيتان من ضواحي القاهرة. لا وجود لفلسطين إلاّ في مصر. سقوط بغداد لم يكن سوى بداية. أمور كثيرة ستحصل لاحقاً. سوريا قد تقسّم الى مناطق نفوذ تركية وعراقية وأردنية. من دون مصر لا وجود لامبراطورية عربيّة من أي نوع كان.
هل هي وصية كمال الصليبي، أم أنها مجرّد رأي خاص به يشكل عصارة تجربته؟.
في كلّ الأحوال، تشير كلّ الدلائل الى أن ما نشاهده حالياً ليس سوى المشهد الأوّل من فيلم أو مسلسل شرق أوسطي طويل. يبدو أنّه سيكون طويلاً جدّاً. نعرف أن الفيلم، أو المسلسل، بدأ. نعرف كيف بدأ ولكن لا أحد يعرف كيف سينتهي أو هل سينتهي يوماً...
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.