8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إخوان مصر.. والبيان الرقم واحد!

الواضح ان مصر دخلت مرحلة جديدة بعد الاعلان رسميا عن فوز مرشّح الاخوان المسلمين الدكتور محمّد مرسي في انتخابات الرئاسة. كان اخطر ما في فوز الدكتور مرسي ظهور الاخوان في مظهر من يسعى الى الوصول الى السلطة بأيّ ثمن كان حتى لو اضطروا الى النزول الى الشارع وممارسة كلّ انواع الضغوط واطلاق كلّ انواع التهديدات.
لعلّ اخطر ما اقدم عليه الاخوان المسلمون يتمثل في اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية قبل صدور ايّ شيء في هذا الشأن عن السلطات الرسمية المختصة. بدا وكأنّ الاخوان يريدون تنفيذ انقلاب يستولون بموجبه على الرئاسة استجابة لحلم قديم يراودهم منذ تأسيس الحركة في اواخر العشرينات من القرن الماضي في مدينة الاسماعيلية.
هذا لا يعني، في طبيعة الحال، ان المجلس العسكري لم يرتكب اي خطأ. على العكس من ذلك، بدا المجلس من جهته، من خلال حلّ مجلس الشعب والتقليص من صلاحيات الرئيس المنتظر، وكأنه يخشى من احتمال انتصار مرشّح الاخوان وان همه بات محصورا في قطع الطريق على رئيس يمثّل حزبا كبيرا يريد الهيمنة على مقدرات البلد العربي الاكبر.
كان من الافضل للجميع انتظار اعلان النتائج رسميا والتصرف بطريقة حضارية بدل تنصيب الدكتور مرسي نفسه رئيسا لمصر عن طريق فرض امر واقع في مصر. ظهر مرشّح الاخوان في مظهر من يسعى الى ترجمة قناعة الحركة بانّها تستمد شرعيتها من ثورة الخامس والعشرين من يناير وليس من صناديق الاقتراع. مثل هذا التصرّف يبرّر طريقة تصرّف انظمة عربية عدّة مع الاخوان. تعتبر هذه الانظمة ان الاخوان يريدون انتخابات لمرّة واحدة بغية الاستيلاء على السلطة والتمسّك بها الى ما لا نهاية... وذلك عندما تغيب المؤسسات القوية القادرة على التصدي لطموحاتهم، كما الحال في الاردن او المغرب، وتذكيرهم بانّ الديموقراطية تعني، بين ما تعني، التداول السلمي للسلطة والاحتكام الى صناديق الاقتراع وليس النزول الى الشارع والتهديد بالعنف...ورفع الشعارات الفارغة واللجوء الى المزايدات.
في ضوء تصرّفات الاخوان المصريين والتهديدات التي اطلقوها في مرحلة ما بعد الانتخابات والتي شملت اجتياحهم الشارع، يمكن التساؤل ما الذي يميّزهم عن الضباط الذين ينفّذون انقلابات عسكرية ويصدرون البيان الرقم واحد؟
كان الخطاب الذي اعلن فيه مرسي انتصاره على الفريق احمّد شفيق من دون انتظار اعلان يصدر عن اللجنة العليا للانتخابات اقرب الى البيان الرقم واحد من اي شيء آخر. جرت العادة ان يتضمّن البيان الذي يصدر عن منفّذي الانقلابات العسكرية وعدا بالعودة الى الحياة الديموقراطية، حالما تستتب الاوضاع الامنية في البلد وتنفّذ اصلاحات معيّنة وتتحرّر فلسطين. اذا استثنينا تنازل الفريق عبدالرحمن سوار الذهب عن السلطة للمدنيين في السودان، لم يحد اي عسكري نفّذ انقلابا عن الرغبة في الاحتفاظ بالسلطة. وثمة من نجح في توريث السلطة كما فعل الراحل حافظ الاسد في سوريا!
كانت هناك فرصة امام اخوان مصر لاثبات انهم ليسوا من طينة الزمر التي تنفّذ انقلابات عسكرية. كانت ثمة فرصة امام اخوان مصر لاظهار ان هذا التنظيم يؤمن فعلا بالديموقراطية وبصناديق الاقتراع ويحتكم اليها ويستمدّ منها شرعيته، بديلا من الشرعية القائمة على خطف الثورات. توفّرت لهم فرصة كي يؤكدوا انهم جزء لا يتجزّأ من مصر الجديدة وليس من مصر جمال عبد الناصر وانور السادات وحسني مبارك التي كانت خالية من اي حياة سياسية حقيقية. اخيرا، كانت لدى اخوان مصر فرصة كي يقولوا بالفم الملآن انهم على استعداد لتسليم السلطة في حال خسروا الانتخابات، امام احمد شفيق او غيره، وانهم ليسوا تنظيما ميليشيويا لا يختلف في شيء عن الحرس الثوري في ايران، اي انهم ليسوا حرسا ثوريا سنّيا...
خطف الاخوان المسلمون الثورة المصرية. عرفوا متى عليهم النزول الى الشارع يوم الثامن والعشرين من كانون الثاني- يناير 2011 وكيف يحيّدون الامن المركزي، التابع لوزارة الداخلية، الذي انهكه الثوريون الحقيقيون من شبّان وشابات مصر الذين امضوا اياما في التظاهر والاعتصام. هاهم الآن يسعون الى استكمال انقلابهم.
يبدو ان اياما عصيبة تنتظر مصر التي تحتاج اوّل ما تحتاج الى مرحلة انتقالية تمهّد للانتقال من النظام العسكري الذي حكم البلد منذ انقلاب الثالث والعشرين من تمّوز- يوليو 1952 والذي كانت له انعكاسات في غاية السلبية على كلّ المنطقة العربية وعلى مصر نفسها. بدل المرحلة الانتقالية، جاء رئيس اخواني ليس معروفا هل كان وصوله الى موقعه نتيجة صفقة جديدة بين تنظيمه والمجلس العسكري. ثمة ما يوحي بذلك لسببين. الاوّل ان تنحي حسني مبارك جاء نتيجة تفاهم ضمني بين طرفين هما العسكر والاخوان التقيا عند رفض التوريث. امّا السبب الآخر فهو الاجراءات التي اتّخذت في القاهرة عشية اعلان النتائج. بدا واضحا ان المجلس العسكري كان يريد، في ايّ شكل، تفادي مواجهة مباشرة مع الاخوان، لكنّه كان يريد في الوقت ذاته تأكيد انه لا يستطيع الاّ ان يكون شريكا اساسيا في السلطة...
في كلّ الاحوال، آخر ما تحتاجه مصر هو غياب الفترة الانتقالية التي تنقل البلد من حكم العسكر الى ديموقراطية حقيقية، على غرار ما حصل في تركيا. مثل هذه المرحلة الانتقالية كانت ستوفّر فسحة للتفكير في المشاكل الحقيقية للبلد ومدى عمق ازمته على كلّ المستويات بدءا بالاقتصاد وانتهاء بالسياسة ومؤسسات الدولة مرورا بالنمو العشوائي لعدد السكّان والتطرّف الديني واستمرار تدفق مياه النيل عند مستوى معيّن والانظمة التربوية اخيرا وليس آخراً...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00