لا يمكن الاستهانة باهميّة حصول حكومة الدكتور فايز الطراونة على ثقة مجلس النواب الاردني باكثرية واضحة بعد ثلاثة ايّام من النقاشات لم تخل في بعض الاحيان من المزايدات. فنيل الحكومة الثقة، على الرغم من الاجراءات الاقتصادية القاسية التي ستطبقها، يعتبر انجازا بحدّ ذاته. يعكس ذلك وجود وعي لدى الشعب الاردني لدقة المرحلة التي يمرّ بها البلد.
لماذا الكلام عن انجاز تحقق في الاردن؟ الجواب بكلّ بساطة انّ ذلك عائد الى وجود حكومة، على راسها شخص مستعد لاتخاذ قرارات غير شعبية في حال اقتناعه بانّ هذه القرارات تخدم الاردن والشعب الاردني في المدى الطويل. انها الشجاعة بكلّ معنى الكلمة، شجاعة من يرفض الانقياد للشارع متى كان انقياده له سيؤدي الى اكتساب سهل لشعبية في المدى القصير وكارثة على الاردن والاردنيين في المدى الطويل.
اثبت الدكتور الطراونة الذي شكّل حكومة كلّ الاردن، انه رجل دولة بالفعل لا تهمه الشعارات بمقدار ما يهمه خروج المملكة من الازمة الحقيقية التي تمرّ بها، وهي ازمة اقتصادية واجتماعية، الى حدّ ما، في الاساس.
تعود هذه الازمة الى ما يعانيه الاقتصاد العالمي من مشاكل عموما والى الوضع الاقليمي خصوصا. فالاردن لم تعد تستفيد كما في الماضي من اسعار تفضيلية في مجال النفط مصدرها العراق. اضافة الى ذلك، هناك انقطاع بين وقت وآخر للغاز الآتي من سيناء بسبب الاوضاع الامنية في تلك المنطقة. ما لا يمكن تجاهله ان لا سيطرة للسلطات المصرية على خط الانابيب الذي يربط بين سيناء والعقبة. تعرّض هذا الخط لما يزيد على عشرين اعتداء في الاشهر القليلة الماضية.
يظهر الآن ان هناك استيعابا لدى معظم النوّاب الاردنيين لدقة المرحلة التي يمرّ بها البلد. ولذلك، كان ضروريا توقف المزايدات عند حدّ معين ومنح الحكومة الثقة كي تتفرّغ للمهمة الاساسية التي شكّلت من اجلها. تتلخّص هذه المهمة في الاعداد لانتخابات نيابية تجري قبل نهاية السنة الجارية استنادا الى ما وعد به الملك عبدالله الثاني. فقد اكّد العاهل الاردني في غير مناسبة نية الاردن اجراء انتخابات نيابية مبكرة مع نهاية السنة 2012.
ينطلق هذا التأكيد من قناعة لدى عبدالله الثاني بضرورة الاستجابة السريعة للمطالبات الشعبية بتوسيع عملية المشاركة في صنع القرار وان تقدّم المملكة الاردنية مثالا فريدا في التحوّل الديموقراطي الذاتي ضمن محيطه العربي والاقليمي المتغيّر.
الآن، ماذا بعد نيل الحكومة الثقة؟
قبل كلّ شيء، تندرج الثقة في سياق عملية مدروسة تستهدف نقل الاردن الى شاطئ الامان. لذلك يبدو ضروريا بعد الثقة، استمرار العمل من اجل الاصلاحات وفق تسلسل واضح يضع الامور في نصابها. يتمّ ذلك عن طريق ضمان وجود بنية تشريعية تكفل عملية اصلاح مؤسسية تستند بشكل اساسي الى التعديلات الدستورية التي انجزت العام الماضي والتي تضمن التوازن بين السلطات وترسّخ الحقوق والحريات، اضافة الى قيام محكمة دستورية وقانون جديد للاحزاب السياسية.
نعم، هناك سلسلة من الخطوات المطلوبة تمهيدا للانتخابات. من بين الخطوات تأسيس هيئة مستقلة عن باقي السلطات للاشراف على هذه الانتخابات البرلمانية وادارتها وفق افضل الممارسات الدولية تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها وعدالتها. بعد ذلك، يفترض اجراء انتخابات وفق قانون عصري يكفل تمثيلا عادلا لكل فئات الشعب الاردني ويضمن افراز مجلس نيابي جديد بتوجهات حزبية وصولا الى تشكيل حكومات منبثقة عن اكثرية برلمانية تحظى في الوقت ذاته بثقة ما يسمّى الشارع وتتصدى للتحديات الاقتصادية- الاجتماعية التي تواجه المملكة التي لا تمتلك اي ثروات طبيعية.
خطت الاردن خطوة اولى في الاتجاه الصحيح. المهمّ الان ان يستوعب الاردنيون انفسهم دقة المرحلة وان عليهم العمل على تجاوزها بغض النظر عن التضحيات التي قد يتوجّب عليهم تقديمها. فالارتفاع في سعر المحروقات ما كان ليفرض لولا الحاجة الى سدّ عجز في الموازنة العامة. ربّما الخطوة الاخرى هي في رسم الاردنيين انفسهم الذين عليهم تفهم الحاجة الى العمل الجدّي اليومي بعيدا عمّا يسمّى الاقتصاد الريعي. فما لا يمكن تجاهله في ايّ شكل ان الثروة الاولى للاردن هي الانسان الاردني وانّ على هذا الانسان الاردني تعلّم العمل الجدّي وفق ساعات منتظمة، بدل الاتكال على الدولة، وذلك على غرار ما يفعله خارج الاردن. لماذا ينجح الاردني، خارج الاردن ويفشل في الداخل؟ انه سؤال برسم كلّ اردني عليه الاعتراف بانّ لا سبيل للاتكال على الدولة وعلى الشعارات التي يرفعها الاخوان المسلمون ومن لفّ لفهم من الذين يرفضون تعلّم شيء من تجارب الماضي القريب.
في كلّ الاحوال، ان ما اقدمت عليه الحكومة الاردنية خطوة شجاعة ان دلّت على شيء، فانها تدل على ان مسار الاصلاحات مستمر وان لا بديل منه... وان التجاوب مع الشارع لا يعني في الضرورة الانقياد له بشكل اعمى. هناك في الاردن من يعي تماما ان لا مفرّ من الاصلاحات. لكن ذلك لا يعني الفوضى ولا شيء آخر غير الفوضى في بلد فيه مؤسسات راسخة ساعدت في مواجهة الازمات الخطيرة التي مر فيها بلد يعيش على خط الزلازل الاقليمي، بلد واجه ويواجه المخططات الاسرائيلية وغير الاسرائيلية منذ وجوده على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. انّه بلد عرف كيف يرسم حدوده ويستعيد حقوقه في الارض والمياه في وقت كان عرب آخرون يتلهون بتصدير الارهاب وبالمزايدات والشعارات التي لا تقود سوى الى حروب اهلية على نسق ما نشهده حاليا، للاسف الشديد، في سوريا!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.