8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا بقي من أسامة بن لادن؟

هل بقي شيء من اسامة بن لادن الذي مضت قبل أيّام سنة على اغتياله؟ الجواب بكلّ بساطة إن مصير الرجل يذكّر بأمرين. الأول أن ثقافة الحياة أقوى من ثقافة الموت، والآخر أن هناك نظاماً عالمياً لا يمكن قهره. هذا النظام يعمل على استغلال من هم على شاكلة بن لادن الى حين، لكنه قادر في نهاية المطاف على القضاء عليهم متى وجد ذلك مناسباً له. لا يعني هذا الكلام في أي شكل أن الجرائم التي كان زعيم القاعدة خلفها نفّذت بالاتفاق مع الولايات المتحدة أو غيرها. لكنّه يعني أن القوى الكبرى، على رأسها أميركا قادرة، في نهاية المطاف، على الصبر طويلاً في تعاطيها مع ظاهرة الأرهاب وتوظيفها، مع مرور الوقت، بما يخدم مصالحها. لعلّ أفضل دليل على ذلك تحّول صدام حسين الى ضحية من ضحايا اسامة بن لادن...
بعد مطاردة استمرّت أقل من عقد من الزمن، نجحت الأجهزة الأميركية المختصة في تحديد المكان الذي كان الشيخ اسامة، كما يسمّيه بعض الجهلة، يختبئ فيه في باكستان. نفذت، في توقيت يناسبها، عملية ناجحة انتهت بالتخلص من زعيم القاعدة الذي لعب، عن قصد أو عن غير قصد، دوراً محورياً في مجال تغيير وجه الشرق الأوسط الكبير الممتد من أفغانستان الى موريتانيا.
جاء اغتيال بن لادن بعد عشر سنوات على تنفيذ غزوتي نيويورك وواشنطن اللتين عادتا بالويلات على المسلمين عموماً والعرب خصوصاً. كانت الغزوتان اللتان أدتا الى مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، أكثريتهم الساحقة من الأميركيين، الى قرار اتخذته واشنطن بالتدخل عسكرياً في أفغانستان في السنة 2001، ثم في العراق في السنة 2003. تدخلت أميركا عسكرياً في العراق لإسقاط النظام فيه، علماً أنه لم يثبت الى الآن وجود أي علاقة بين النظام العائلي- البعثي ذي الطبيعة المتخلفة الذي كان قائماً في هذا البلد من جهة وتنظيم القاعدة الإرهابي من جهة أخرى.
لا يزال القرار، الذي اتخذته إدارة الرئيس جورج بوش الابن، والقاضي بالانتقال الى العراق قبل الانتهاء من مهمة السيطرة الكاملة على أفغانستان لغزاً كبيراً. لماذا الحرب على العراق، فيما خطر تنظيم طالبان المتحالف مع القاعدة لا يزال ماثلاً في كل أفغانستان؟ لماذا التوجه الى العراق في ما المشكلة الحقيقية المرتبطة بالإرهاب والقاعدة لا تزال تراوح مكانها؟ لا تزال باكستان الى يومنا هذا الحديقة الخلفية لـطالبان. أكثر من ذلك، إن الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الإرهاب فيها، لا تزال على علاقة عضوية بالحرب التي تشنها طالبان على قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان.
بدل التصدي لمعضلة اسمها الدور الباكستاني في نشوء طالبان ودعمها والعلاقة بين الأجهزة الباكستانية والقاعدة، اختارت إدارة بوش الابن الذهاب الى العراق، كما لو أن المطلوب اليوم قبل غد إعادة النظر في التوازنات القائمة في الشرق الأوسط وإعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة.
تلك كانت الأولوية الأميركية. ولكن لمصلحة من نفّذت الإدارة في واشنطن عملية إسقاط النظام في بغداد من دون التفكير في النتائج التي ستترتب على ذلك؟ هل هناك مصلحة أميركية في تفتيت العراق الذي عانى طويلاً من نظام قمعي لم يحسن المحافظة على النسيج الاجتماعي، بل ساهم في القضاء عليه؟
ما يمكن قوله اليوم إن اسامة بن لادن وفّر فرصة للإدارة الأميركية كي تتدخل في الشرق الأوسط بالطريقة التي تشاء. تبيّن مع مرور الوقت أنّ صدّام حسين كان من ضحايا اسامة بن لادن. كذلك الأمر بالنسبة الى ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف بدوره معنى إعلان إدارة بوش الابن أنها قررت تقسيم العالم بين من هم معها ومن هم ضدّها. لم يعد هناك مكان لأيّ موقف رمادي في تلك المرحلة.
كان طبيعياً أن لا يدرك صدّام حسين النتائج التي ستترتب على غزوتي واشنطن ونيويورك، لكنّه كان مفترضاً بـابو عمّار، رحمه الله، التصرّف بطريقة مختلفة تأخذ في الاعتبار أن أيّ عملية انتحارية تنفّذها حماس إنما هي موجهة ضده شخصياً وضد قضيته أكثر بكثير مما هي موجّهة ضد الإسرائيليين. بعد غزوتي واشنطن ونيويورك، استطاع ارييل شارون الذي كان رئيساً للوزراء في إسرائيل وضع الزعيم الفلسطيني الراحل في الإقامة الجبرية في رام الله. لم يعد العالم قادراً على عمل أي شيء لـأبو عمّار بعدما انصرفت الإدارة الأميركية الى ما يسمّى الحرب على الإرهاب التي كان من نتائجها تسليم العراق الى إيران على صحن من فضّة.
بعد سنة على اغتيال اسامة بن لادن، واحدى عشرة سنة على غزوتي واشنطن ونيويورك، تغيّر الشرق الأوسط كلّيا. ليس معروفاً ماذا سيحلّ بالعراق، كما صار السؤال المطروح هل من يتذكّر القضية الفلسطينية؟ مستقبل مصر صار مطروحاً أيضاً. كذلك، مستقبل سوريا واليمن وليبيا وربّما تونس.
هل أدرك اسامة بن لادن يوماً أن الإدارة الأميركية ستستغل ما فعله من أجل إحداث زلزال في العراق ترك انعكاسات في المنطقة كلّها؟ الأرجح أنه لم يستوعب يوماً أنه سيكون مجرّد أداة تستخدم في عملية إعادة النظر في خريطة الشرق الأوسط التي مهّد لها الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003. إنه زلزال ما زالت تفاعلاته في بدايتها.
من يعود الى تاريخ اسامة بن لادن يكتشف أن الرجل لم يستطع يوماً استيعاب أن العالم، على رأسه أميركا، يستطيع التعاطي مع ظاهرة مثل القاعدة وأنه قادر على استغلالها الى أبعد حدود... بما في ذلك تغيير شكل الشرق الأوسط ووجهه!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00