8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حكومة كلّ الأردن...

كان طبيعياً أن تكون هناك حكومة جديدة في الأردن. جرت محاولة للسير في المشروع الإصلاحي الى النهاية عن طريق الحكومة المستقيلة. فشلت تلك المحاولة وتبين أن ثمة حاجة الى حكومة جديدة برئاسة شخصية تعرف الأردن جيداً وتعرف أن انتقال السلطة بعد وفاة الملك حسين، رحمه الله، تمّ بهدوء وعلى نحو سلس نظراً الى أن المملكة بلد مؤسسات أوّلاً وأخيراً. لا خيار آخر أمام الأردن سوى المحافظة على هذه المؤسسات التي حافظت على المملكة التي كانت دائماً في عين العاصفة.
جاءت الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور فايز الطراونة لضمان استمرار عمل المؤسسات من جهة والإعداد للانتخابات النيابة المقبلة من جهة أخرى. مفروض أن يسبق الانتخابات إقرار سلسلة من الإصلاحات دعا اليها الملك عبدالله الثاني الذي يعرف قبل غيره بدقة ما تعاني منه الأردن في هذه المرحلة.
يدرك الملك أن الأردن تواجه أوضاعاً معقدة وذلك بسبب الوضع الاقتصادي العالمي والاقليمي وبسبب الأجواء التي تسود المنطقة. في النهاية، هناك ثلاث دول ومناطق قريبة تمرّ بأزمات حقيقية وعميقة لها انعكاساتها السلبية المباشرة على الأردن.
هناك الوضع الفلسطيني المعقد الذي يؤثر بشكل مباشر وسلبي على الداخل الأردني المضطر الى تحمّل أعباء ليس في استطاعة دولة فقيرة، لا تمتلك موارد غير الإنسان الأردني، تحمّلها. يزداد الوضع الفلسطيني خطورة في ظل حكومة إسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو لا تريد التوصل الى أي تسوية من أي نوع كان. تعمل هذه الحكومة بكلّ بساطة على تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وإبعاد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في اتجاه الأردن.
المؤسف أن هناك في الداخل الأردني من لا يريد استيعاب دقّة المرحلة وخطورة الدخول في مزايدات لا تصبّ سوى في خدمة المشروع الإسرائيلي الذي يتكّل أول ما يتكّل على الأحزاب الدينية من نوع الاخوان المسلمين وهي أحزاب لا تمتلك بعض قياداتها أي وعي سياسي من أي نوع كان ولا تريد الاستفادة من تجارب الماضي القريب. في مقدم هذه التجارب ما قدمته المملكة الأردنية للقضية الفلسطينية بعيداً عن أي تمنين. أوليس قرار فك الارتباط الذي اتخذه الملك الحسين في تموز من العام 1988 هو الذي رسم حدود الدولة الفلسطينية المستقلة التي يفترض بحركة مثل حركة الاخوان المسلمين دعمها بدل إطلاق الشعارات الفارغة التي لا تستفيد منها سوى حكومة نتنياهو؟
هناك الوضع العراقي الذي ينعكس سلباً على الأردن. العراق يمرّ بمرحلة انتقالية. ليس معروفاً الى أين يتجه العراق. الأمر الوحيد الأكيد أن الامور فيه ليست على ما يرام. سيمر وقت طويل قبل أن يعود العراق سنداً للأردن ودولة منخرطة في عملية دعم الاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظلّ تزايد النفوذ الإيراني في بغداد.
هناك أيضاً الوضع السوري الذي يلقي إعباء كبيرة على الأردن. عدد السوريين الذين لجأوا الى الأراضي الأردنية أكبر بكثير مما ينشر وذلك بسبب التداخل الاجتماعي بين البلدين على طول الحدود بينهما.
على الرغم من ذلك كلّه، هناك إصرار لدى القيادة السياسية في الأردن على المضي في الاصلاحات. هناك اعتراف بالمشاكل التي تعاني منها المملكة. هذه خطوة ايجابية. هناك اعتراف بالفساد وبضرورة التصدي له. من دون التصدي للفساد، لا استثمارات أجنبية، خصوصاً من دول الخليج التي لم تعد في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين جمعيات خيرية. هذا ما يفترض أن يكون مفهوماً لدى الجميع في الأردن بغض النظر عن المسؤوليات التي يتحمّلها هذا الشخص او ذاك... وما قد يكون من الضروري ان يكون مفهوماً أيضاً أن لا بدّ من تصحيح أي أخطاء يمكن ان تكون حصلت مع مستثمرين خليجيين أو غير خليجيين، وذلك في أسرع وقت ممكن.
لا مفرّ من الاعتراف بأن الوضع الأردني في غاية التعقيد في ضوء التطورات الفلسطينية والعراقية والسورية وحتى المصرية. لا يمكن تجاهل أن الاردن تأثرت جراء رفع أسعار الغاز المصري الآتي من سيناء والانفجارات التي تتعرض لها الأنابيب التي تنقله الى المملكة بين حين وآخر. ما الذي ستفعله المملكة لحلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعقّدة في الداخل وتلك الآتية من خارج الحدود؟
لا شكّ أن حكومة فايز الطراونة جزء من الحلّ. قبل كلّ شيء، تدلّ تركيبتها على أنها حكومة كلّ الأردن. كلّ المناطق والفئات الاجتماعية ممثلة فيها. هذه نقطة ايجابية. الأهمّ من ذلك، ان هذه الحكومة تعرف تماماً ما هي المهمة المطلوبة منها. إنها تشبه الى حدّ كبير حكومة الأمير زيد بن شاكر، رحمه الله، التي تشكّلت في العام 1989 وتولّت الإشراف على إعادة الحياة النيابة الى المملكة في انتخابات أجريت في تشرين الثاني من تلك السنة، في اليوم الذي كان يسقط فيه جدار برلين.
هل تنقل الحكومة الأردنية الجديدة المملكة الى شاطئ الامان؟ الواضح انها ستكون جسراً بين مرحلتين. مرحلة ما قبل الإصلاحات ومرحلة ما بعدها. لكنّ الكثير سيتوقف في النهاية على وعي الأردنيين لواقع يتمثّل في أنه لولا الحكمة التي امتلكها عبدالله الثاني، لكان وضع المملكة أسوأ مما هو عليه بكثير. تكفي نظرة الى ما يدور في المنطقة للتأكد من أن الأردن يعيش في ظلّ أوضاع جدّ معقولة ومستقرّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00