8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عبدالله الثاني و الربيع العربي الطويل

ثمة كلام لا بدّ من التوقف عنده. انه الكلام الصادر عن الملك عبدالله الثاني امام البرلمان الاوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية التي ترمز الى حدّ كبير الى المصالحة التاريخية بين فرنسا والمانيا بعد حروب طويلة بين بلدين قررا التصالح مع المستقبل بدل البقاء في اسر احقاد الماضي القريب.
لا يختصر الكلام الوارد في الخطاب الذي القاه العاهل الاردني في ستراسبورغ قبل ايّام قليلة الواقعين الاردني والعربي فحسب، بل يذهب ايضا الى الاحاطة بما يدور في المنطقة ككلّ.
دخلت المنطقة من وجهة نظر الملك مرحلة جديدة لخصها بقوله: ان العالم العربي افاق من غفوته وان التغيير الايجابي بدأ. هناك رؤية للمستقبل تضمنها الخطاب. هذه الرؤية مبنية على قراءة في العمق للاحداث من منطلق انه تتكثف امامنا احداث ربيع طويل في العالم العربي. لن ينتهي الربيع في موسم واحد ولا حتى في سنة. يواجه مجتمعاتنا تحدّ يتمثّل في ضرورة الانتقال من مرحلة الاحتجاجات الى البرامج ومن النقد الى الاستراتيجية الوطنية.
من يقول مثل هذا الكلام، يعي تماماً ما يواجه المنطقة من مشاكل على الصعيد الداخلي. ابرز تلك المشاكل فرص العمل امام الشباب. تحوّل الشباب في المنطقة العربية الى قنبلة موقوتة في غياب القدرة على تلبية طموحاتهم وايجاد فرص عمل لهم. هناك مئة مليون شاب عربي يشكلون اكبر تجمّع شبابي في تاريخنا يقول العاهل الاردني، مضيفاً ان ليس في وسعنا ترك ولو مواطن واحد شاب واحد ينتظر عبثا. المهم عدم سقوط الشاب العربي في اليأس. اليأس هو الذي يولّد الانفجارات الكبيرة، كما حصل في مصر وسوريا وليبيا واليمن وقبل ذلك في تونس.
لا شكّ ان الاردن تواجه مرحلة صعبة ومعقدة في الوقت ذاته. هناك زيادة كبيرة في عدد السكّان وغياب للثروات الطبيعية وحتى المياه. هناك تحد كبير اسمه التعليم ومستواه. هذا التعليم حمى الى الآن قسما لا بأس به من المجتمع الاردني وحال دون تمدد موجة التطرّف اكثر. هذا التعليم هو الذي يسمح لاردنيين كثيرين بايجاد فرص عمل في الاردن وخارجها وحتى في العالم الواسع. هذا التعليم، الذي ركّز عليه عبدالله الثاني منذ اليوم الاوّل لصعوده على العرش، في اساس العملية الاصلاحية التي لا تراجع عنها.
هذه العملية ليست بنت البارحة. كان حلم الملك الحسين الدائم، رحمه الله، وذلك منذ الخمسينات ان تكون هناك حياة حزبية سليمة وان يكون هناك مجلس للنوّاب تنبثق عنه السلطة وفيه معارضة تحاسب السلطة. حالت التعقيدات الاقليمية والمزايدات العربية والشعارات الفارغة التي ترفع باسم القومية احيانا وباسم الدين في احيان اخرى دون قيام هذه الحياة الحزبية السليمة التي يسعى الملك عبدالله الثاني بدوره الى ترسيخها.
بعيدا عن المزايدات والشعارات الفارغة والكلام الكبير الذي يطلقه بعضهم عن الاصلاح، لم يتردد العاهل الاردني في المباشرة باكرا في التجاوب مع الرغبة في تطوير الحياة السياسية. فعل ذلك عن طريق الدفع في اتجاه خطوات عملية تتجاوز الكلام عن الاصلاحات. كان عليه التذكير في سياق الخطاب الذي القاه في ستراسبورغ بان تعديلات ادخلت حديثا على ثلث مواد الدستور الاردني. هذا الدستور الذي يبقى الركيزة الاساسية لايّ حياة سياسية سليمة تدور في اطار قانوني واضح يفصل بين السلطات ويحمي حقوق المواطن. في النهاية هناك قناعة راسخة بانّه لن يبني مستقبل الاردن الاّ الاردنيون وان المملكة كانت وستبقى نموذجا للتحوّل السياسي نحو الديموقراطية.
لا عودة عن الاصلاح في الاردن، لكنّ على الاردنيين ادراك ان عليهم تحمّل مسؤولياتهم والابتعاد عن كلّ انواع الكلام الذي لا يقدّم ولا يؤخّر في بلد عرف دائما كيف يحافظ على حقوق مواطنيه وكيف يحميها في مواجهة المزايدين وحملة الشعارات. انها الشعارات التي لا تصبّ الاّ في خدمة اولئك الذين عملوا كلّ شيء من اجل ضياع فلسطين في العام 1948 والقدس والضفة الغربية في العام 1967.
لقد شبع الاردن شعارات ومزايدات يرفعها حاليا بعض المتاجرين بالدين من الذين لا يريدون الاعتراف بانّ الاردن ما كانت لتضيع منه القدس ولا الضفة الغربية لولا المزايدات ولو ترك الحسين يستخدم حكمته ورؤيته. كان في الامكان تفادي المأساة المستمرة الى يومنا لو امتلك العرب وقتذاك ذرة من العقل بدل تصديق الشعارات التي كانوا يطلقونها.
اجمل عبدالله الثاني التحديات التي تواجه المنطقة والاردن. لم يتردد في تسمية الاشياء باسمائها امام النواب الاوروبيين. الاكيد ان الاردن في حاجة الى اصلاحات، لكن الاكيد ايضا ان بلدا مثل المملكة في حاجة الى سلام اقليمي ايضا. بكلام اوضح، هناك وعي اردني لضرورة تحقيق السلام اذا اردنا للمنطقة ان تزدهر وتنعم بالامن على حد تعبير العاهل الاردني الذي يؤكّد مرة اخرى ان ليس في وسعنا ان نخلق جيلا آخر في وضع الانتظار للدولة الفلسطينية ويضيف: ليس هناك اهانة اشد من الاحتلال الاسرائيلي. فكلّما طالت معاناة الشعب الفلسطيني وكلّما استمرّ الاستيطان، زادت الاحباطات والمخاطر. ولو وصلنا الى مرحلة لا يعود فيها حلّ الدولتين ممكنا، فانّ اسرائيل ستكون ابعد عن الامن اكثر من اي وقت.
تحدث عبدالله الثاني بلغة يفهمها العالم. السلام مصلحة استراتيجية للاردن. كان خطابه في مستوى التحديات الداخلية الاقليمية. من المهم ان يرتفع الاردنيون، بغض النظر عن مشاربهم، الى مستوى هذا الطرح في وقت تتهدد المخاطر الجميع. فشعار الاردن اوّلاً هو الشعار الوحيد الصالح للمرحلة الراهنة. كلّ ما عداه سقوط في فخّ المزايدات التي تعتبر الطريق الاقرب الى الكوارث!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00