8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مشكلة مرشحي الإخوان في مصر...

اكثر ما هو مخيف في مصر شكل بعض المرشّحين للانتخابات الرئاسية. الى اين يمكن لهؤلاء اخذ مصر؟ هل هناك بينهم من يستطيع تعويض الخسائر التي منيت بها مصر في القطاع السياحي على سبيل المثال وليس الحصر؟ هل هناك بين المرشحين الاشاوس الذين اطلقوا لحاهم من يتجرّأ على تحديد المشاكل التي تعاني منها مصر؟
ما يبدو اكيدا ان المرشحين الذين يدّعون انهم اسلاميون لا يستطيعون تقديم ايّ حل. يقولون كلاما عاما لا علاقة له بلغة العصر. يعتمدون الشعارات التي يمكن ان تنطلي على السذّج من ابناء الشعب. تحوّلوا مشكلة من مشاكل مصر وكأن البلد العربي الاكبر في حاجة الى مزيد من المشاكل!
ليس في استطاعة هؤلاء حتى تشبيه انفسهم بزعماء الحزب الاسلامي الحاكم في تركيا، اي حزب العدالة والتنمية. استطاع هذا الحزب الذي يقدم وجوها مقبولة من كلّ النواحي، في مقدمها وجها رجب طيب اردوغان وعبدالله غلّ، التفاخر بانه لم يغيّر شيئا في طبيعة المجتمع التركي. كلّ ما فعله الحزب انه حقق نجاحا اقتصاديا فشل في تحقيقه زعماء الاحزاب العلمانية او المؤسسة العسكرية. اضافة الى ذلك، زاد اسلاميو تركيا من هامش الحريات في كلّ المجالات وسعوا الى الاعتراف بالمشاكل المستعصية التي يعاني منها البلد، بما في ذلك كيفية التعاطي مع المواطنين الاكراد. عملوا على التصالح بين العلمانية والاسلام من جهة وتصالح تركيا مع نفسها من جهة اخرى. عملوا حتى على مدّ الجسور مع الارمن على الرغم من اتساع الهوة مع هذا الشعب الذي لا يستطيع نسيان المجزرة التي تعرّض لها.
لا يزال اردوغان رئيسا للوزراء منذ الرابع من آذار من العام 2003.
يكمن سرّ نجاح حزب العدالة والتنمية في انه لم يتنكر لماضي تركيا. لم يتنكر لمؤسس الدولة الحديثة مصطفى كمال اتاتورك الذي لا تزال صوره في الدوائر الرسمية. اعترف وان بشكل غير مباشر بأنّ من استطاع وضع الاسس لقيام الدولة الحديثة في تركيا هو تورغوت اوزال رئيس الوزراء بين 1983 و1993 ورئيس الجمهورية بين 1989 وحتى وفاته جراء ذبحة قلبية في 1993. حوّل اوزال، وهو اول رئيس من اصول كردية لتركيا، بلده الى دولة عصرية على تواصل مع كلّ ما هو حضاري في العالم. خاض تجربة الخصخصة ونجح فيها نجاحا منقطع النظير.
المخيف في مصر ان ايّا من الاسلاميين الذين يسعون الى الرئاسة لا يمتلك برنامجا واضحا يحدد فيه كيف سيعالج المشاكل التي تعاني منها مصر. كيف التعاطي مع صناعة اسمها السياحة؟ كيف تطوير النفط والغاز؟ كيف تطوير الزراعة؟ كيف زيادة عائدات قناة السويس؟ ما العمل بالبرامج التعليمية؟ كيف التعاطي مع مصريي الخارج الذين يساهمون في دعم الاقتصاد؟ ما الموقف من الاقباط؟
هناك عشرات الاسئلة التي تحتاج الى اجوبة. ليس لدى مرشحي الاخوان المسلمين وتوابعهم في مصر سوى الشعارات الفضفاضة بديلا من الحلول العملية والعلمية.
هل كلّ الحقّ على الاخوان المسلمين في مصر؟ الاكيد انه لا يمكن إلقاء كلّ اللوم عليهم. الا ان ذلك لا يمنع المرشحين للرئاسة من المنتمين الى التنظيم او من المنشقين عنه من تحسين شكل وجوههم قليلا بغية اعطاء صورة مختلفة عن مصر ما بعد ثورة 25 يناير وإظهار ان هذه الثورة كانت من اجل الافضل. في النهاية، ان التركة التي خلّفها نظام عسكري عمره نصف قرن، ثقيلة جدّا. انه نظام نجح حتى في تخريب احياء عريقة في القاهرة مثل الزمالك وغاردن سيتي والقضاء على حلوان بكل ما كانت تمثله بالنسبة الى المصريين والاجانب. انه نظام نجح في ترييف الاسكندرية بعدما كانت احدى اجمل المدن على المتوسط. هذه الامثلة ليست سوى غيض من فيض عن الاذى الذي لحق بمصر التي كانت تضم عشرات الآلاف من الاجانب والعرب، اكانوا من اصل ايطالي او يوناني او سوداني او سوري او لبناني...هؤلاء ساهموا في نهضة مصر وكانوا يعتبرون انفسهم مصريين قبل اي شيء آخر.
من يتمعّن في المشهد المصري في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية يكتشف ان ثمة حاجة ملحّة الى رئيس حضاري لمصر يؤمن مرحلة انتقالية تطرح خلالها افكار عامة في شأن المشاكل التي يعاني منها البلد. في غياب مثل هذا الرئيس الحضاري الذي لا يمكن ان يكون سوى شخصية مدنية او عسكرية تمتلك خبرة في الشأن العام، يخشى ان تسقط مصر في فخ الشعارات التي لا تصبّ الاّ في عملية الهروب الى امام من واقع يستحيل الهرب منه.
ما لا يمكن تجاهله ان مصر تمتلك ثروات كبيرة. صحيح ان لديها مشكلة ضخمة تتمثل في النمو السكاني الذي اتخذ في السنوات الاخيرة طابعا عشوائيا، الاّ ان لا شيء يمنع الاخوان وغير الاخوان من الاستفادة من تجارب ناجحة في المنطقة. ليس عيبا التساؤل لماذا استطاعت تركيا امتلاك ناتج قومي يجعلها في مستوى دولة متقدمة مثل سويسرا.
لماذا لم يفكّر اردوغان وغيره في اي مساس في السياحة او الخصخصة او الحريات العامة والسعي الى حلّ المشاكل الداخلية مع الاكراد وحتى مع العدو التاريخي المتمثل في اليونان.
هناك بشكل عام، تجربة ناجحة في تركيا. في اساس التجربة الاعتراف بالمشاكل القائمة اوّلا مع الاقرار بأن ليس في الامكان الاتكال على الشعارات من اجل حلّها، أكانت هذه الشعارات دينية او غير دينية...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00