في مثل هذه الايّام، قبل تسع سنوات بالتمام، كانت القوات الاميركية تزحف في اتجاه بغداد انطلاقا من الجنوب. بقي النظام العائلي- البعثي الذي يقف على رأسه صدّام حسين غير مصدّق حتى اللحظة الاخيرة ان الاميركيين سيدخلون الاراضي العراقية وصولا الى العاصمة وسيحطمون في التاسع من نيسان ابريل تمثال الرئيس العراقي بكلّ ما يرمز اليه من وحشية وديكتاتورية وقصر نظر سياسي وتمسّك اعمى بالسلطة.
بعد تسع سنوات من بدءالاجتياح الاميركي للعراق، لا يزال البلد في حال مخاض. لا يزال الزلزال العراقي في بدايته. لا يزال في بغداد من يحاول ان يكون صدّاما آخر ولكن بغطاء مختلف وبطريقة مختلفة تعتمد على ركيزتين اولاهما الغرائز المذهبية والاخرى الدعم الإيراني.
لم يحلّ الاجتياح الاميركي للعراق اي مشكلة عراقية، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار درجة التوتر بين السنّة والشيعة من جهة والتجاذب القائم بين الحكومة المركزية يرئاسة السيد نوري المالكي والاكراد عموما من جهة اخرى. لا تزال القضية الكردية مطروحة بحدّة في غياب ايّ محاولة جدّية لتطبيق ما اتفق عليه في مرحلة ما قبل الحرب الاميركية التي لم تجد من يؤيدها ويدعمها ويتواطأ معها في السنتين 2002 و2003 سوى النظام في إيران.
ليس مهمّا انعقاد القمة العربية في بغداد او عدم انعقادها. المهمّ مستقبل العراق ومدى تأثر المنطقة بما سيجري على ارضه في السنوات القليلة المقبلة. هل يبقى العراق بلدا موحّدا؟ هل تقوم دولة كردية؟ ما مستقبل النفوذ الإيراني في العراق؟ ما مدى تأثير هذا النفوذ على تعميق الشرخ السنّي- الشيعي في وقت لا يجد النظام الإيراني وسيلة افضل من المذهبية لتحقيق اختراقات سياسية في المنطقة العربية وصولا حتى الى المغرب. من حسن الحظ ان المغرب عالج المشكلة من جذورها عندما قطعت الرباط العلاقات الديبلوماسية مع طهران بغية قطع الطريق على ايّ محاولة للتغلغل في البلد تحت شعارات دينية.
ما اساس المشكلة في العراق؟ لا شكّ ان النظام السابق عمل كلّ شيء من اجل تسهيل الاجتياح الاميركي وذلك بعدما عمل على القضاء على النسيج الاجتماعي في هذا البلد العريق الذي لم يكن فيه اي تفريق بين الطوائف والمذاهب والقوميات عندما كان الهاشميون في السلطة حتى العام 1958. كان العراق مثالا يحتذى به لجهة غياب اي نوع من التمييز بين الطوائف والمذاهب والقوميات، خصوصا بين السنّة والشيعة والعرب والاكراد والتركمان. الم يكن نوري السعيد، اشهر رئيس للوزراء منذ ولادة تلك الدولة في العشرينات من القرن الماضي تركمانيا؟ الم يكن هناك وزراء اكراد ويهود وتركمان واكراد وكلدان ساهموا في بناء مؤسسات الدولة العراقية واقتصادها؟
نجح الاميركيون بدعم إيراني صريح وعملي في تفكيك العراق. لكنّهم لم ينجحوا في اعادة تركيبه. ثمة من يقول انهم كانوا يدرون ماذا يفعلون، نظرا الى ان الهدف كان اعادة رسم خريطة المنطقة وليس فقط اعادة النظر في تركيبة العراق. ساعدوا باكرا في تكريس المذهبية عندما جعلوا مؤتمر المعارضة الذي انعقد في لندن في كانون الاوّل من العام 2002 يصدر بيانا يتحدّث للمرة الاولى عن الاكثرية الشيعية في العراق. لماذا هذا الكلام عن وجود اكثرية مذهبية في بلد ينتمي الى منطقة تكثر فيها المذاهب والطوائف القوميات وهي في حاجة الى صيغة تجمع بين المواطنين بدل التفريق بينهم؟ هل كان مطلوبا طمأنة إيران منذ البداية الى انه ستكون لديها حصة في العراق تحت ستار المذهبية التي تعبّر عنها احزاب معيّنة تمتلك ميليشيات مسلّحة تابعة لها؟
الاكيد ان التصرفات الاميركية كانت منذ البداية غريبة جدا. فقد اُرفق الكلام عن الاكثرية الشيعية في العراق الذي ورد للمرّة الاولى في بيان مؤتمر لندن بكلام آخر عن الفيديرالية وذلك ارضاء للاكراد. تبيّن مع الوقت، خصوصا بعد وصول نوري المالكي الى موقع رئيس الوزراء بدعم إيراني صريح وواضح، ان المطلوب اقامة حكم مركزي تتحكم به احزاب مذهبية لا يعترف بـالفيديرالية. بكلام اوضح، تنكّر رئيس الوزراء الحالي للتفاهمات السابقة مع الاكراد وقرّر ان يكون صدّاما من نوع آخر... ولكن على طريقته.
الاكيد ان مثل هذا التصرّف لا يمكن ان يعجب الاكراد، على رأسهم السيّد مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان الذي كان يعي منذ البداية مخاطر مرحلة ما بعد سقوط النظام العائلي - البعثي في بغداد. سارع بارزاني فور اختتام اعمال مؤتمر لندن الى الدعوة الى الترفّع عن الانتقام. عدّد وقتذاك الجرائم التي لحقت بافراد عائلته وشدد في الوقت نفسه على ضرورة تجنب اي نوع من الثأر. تصرف كرجل دولة وهو لا يزال يفعل ذلك الى اليوم. جاء تمسكه اخيرا بتوفير ملجأ آمن للسيد طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي اللاجئ الى كردستان خير دليل على ذلك.
ما يشهده العراق حاليا مرحلة ستمرّ مثلما مرّت غيرها من المراحل. ما يمكن قوله بعد تسع سنوات من الاجتياح الاميركي - الإيراني للبلد ان العراق لا يزال يبحث عن هويته وعن صيغة تضمن ضبط الغرائز المذهبية. في النهاية، لا يمكن الجمع بين حكومة مركزية قوية تنوي انشاء جيش من مليوني عنصر من جهة وفكرة الفيديرالية من جهة اخرى. كلّ ما في الامر انّ هناك اختلالا في التوازنات الاقليمية لن تعرف نتائجه قبل خمود الزلزال العراقي. هذا الزلزال الذي ضرب المنطقة كلّها ولم يضرب العراق وحده!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.