8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رفيق الحريري البعيد النظر.. حتى في غيابه!

في ذكرى غيابه، يبدو رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2012 حاضراً أكثر من أي وقت. يجسّد هذا الحضور المقاومة التي يبديها الشعب اللبناني في وجه الذين أرادوا إلغاء الوطن الصغير عبر منعه من الانتماء الى ثقافة الحياة . تأتي هذه المقاومة العفوية لثقافة الموت بعدما اكتشف اللبنانيون التسلسل الذي تندرج الجريمة في سياقه. وقد تبين أنه سياق يصب في جعل لبنان جزءاً لا يتجزّأ من المحور الإيراني- السوري الذي لا هدف له سوى ضرب أي وجود عربي في المنطقة.
رفيق الحريري حاضر في البشر والحجر في آن. تكفي نظرة الى شاطئ بيروت ووسطها هذه الأيام لمعرفة لماذا قتل رفيق الحريري. تبدو الحياة التي تدبّ مجدداً في العاصمة اللبنانية كافية لمعرفة لماذا انتصر دمّ رفيق الحريري على القاتل المعروف جيّداً. هذا المحور الإقليمي القاتل كان يعتقد أن مجرد التخلص من رفيق الحريري سيؤمن له السيطرة الى ما لا نهاية على لبنان...
يتعلق الأمر كله بخطأ في الحسابات عائد الى أن القاتل ظنّ، ومعه الأدوات المستخدمة في تنفيذ الجريمة والمخططون لها من بعيد، أن اغتيال رفيق الحريري سيكون نزهة من جهة وأن إلغاء الآخر لا يزال الحل الأسهل للمحافظة على وضع قائم اسمه النظام الأمني السوري - اللبناني الذي ترعاه إيران من جهة أخرى. ما شجّع على هذه المغامرة المجنونة سوابق لبنانية من أيام بدء المحاولة السورية للذهاب بعيداً في وضع اليد على لبنان. في البدء، اغتيل كمال جنبلاط الصديق الصدوق لدولة عظمى اسمها الاتحاد السوفياتي حمل أرفع أوسمتها. حصل ذلك في العام 1977 بعيد دخول القوات السورية بغطاء عربي ودولي الى لبنان. لم يحصل شيء.
اغتيل آخرون في لبنان. اغتيل رئيسان للجمهورية هما بشير الجميّل ورينيه معوّض. اغتيل مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد. لم يحصل شيء أيضاً. اغتيل العشرات من الشخصيات اللبنانية من مختلف الطوائف والمناطق. جرى ترويض لطرابلس وغيرها من المدن السنّية ولكلّ المناطق ذات الطابع المسيحي. أخضع المسيحيون كلّهم بفضل بطولات ميشال عون حليف صدام حسين في العام 1990 وبشأر الأسد في السنة 2012.
وحده رفيق الحريري كان يعرف أن اغتياله سيحدث زلزالاً. قبل أقلّ من ثماني وأربعين ساعة على الجريمة، مساء السبت في الثاني عشر من شباط- فبراير 2005، دار في منزل الحريري في بيروت الحوار الآتي. بدأه رفيق الحريري بالسؤال: الى أي حد يمكن أن يذهبوا في الحملة عليّ؟ أجابه أحدهم أنه يمكن أن يذهبوا الى حد التخلص منك. جاء تعليقه: من سيقتلني مجنون ثمّ سأل:هل النظام السوري عاقل أم مجنون؟. جاءه الجواب أن هذا النظام الذي يمتلك تاريخاً طويلاً في مجال الاغتيالات، خصوصاً في لبنان، كان يعتبر عاقلاً نظراً الى أنه كان يجري حسابات دقيقة قبل الإقدام على أي جريمة. لكنّه قرّر التمديد للرئيس اللبناني اميل لحوّد على الرغم من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. هذا يطرح تساؤلات في شأن ما إذا كان النظام يتمتع بحدّ أدنى من العقل والتعقّل.
ساد الجلسة صمت طويل قبل انتقال الحديث الى مكان آخر.
باستثناء رفيق الحريري، لم يكن لدى أي شخص آخر تصور للنتائج التي ستترتب على الجريمة. من كان يعتقد أن الجيش السوري سيخرج يوماً من الأراضي اللبنانية بعد شهرين وعشرة أيام من اغتيال رفيق الحريري؟
إذا وضعنا جانباً كلّ المحاولات التي جرت لتغطية جريمة الرابع عشر من شباط- فبراير 2005، بدءاً بالجرائم الأخرى التي استهدفت أشرف العرب من اللبنانيين وصولاً الى تشكيل حكومة حزب الله برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي مروراً بافتعال حرب صيف العام 2006، يبقى أنه لن يصحّ إلا الصحيح.
الصحيح أن النظام السوري يواجه ثورة شعبية حقيقية لا يمكن إلاّ أن تطيحه عاجلاً ام آجلاً. لن يطيل الفيتو الروسي والصيني من عمر النظام كثيراً. الفيتو المزدوج ومعه المساعدات التي تقدمها إيران ستزيد فقط من عذابات الشعب السوري في انتظار يوم الفرج. وهذا اليوم، يوم استعادة السوريين لسوريا، قريب. إنّه أقرب مما يتصوره كثيرون.
في أساس الثورة السورية عجز النظام عن استيعاب أن إلغاء الآخر، بما في ذلك الشعب السوري، لا يحلّ أي مشكلة بل يندرج في سياق عملية الهروب المستمرة الى الأمام. كان اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 نقطة تحوّل. كشفت الجريمة أن النظام السوري غير قابل للإصلاح. الأهمّ من ذلك كله أن النظام السوري الذي اعتقد أن الجريمة ستمرّ مثلما مرّت الجرائم الأخرى أظهر قصوراً سياسياً من النوع النادر. إنه نظام مجنون بالفعل. لم يكتشف إلا متأخراً ما سيترتب على الجريمة، التي لا يمكن اعتباره ضالعاً وحده فيها. صار بعد الجريمة أسير النظام الإيراني كلّياً بعدما كان هناك حدّ أدنى من التوازن في العلاقة بين الجانبين...
لم تكن جريمة اغتيال رفيق الحريري جريمة عادية في أي شكل. لا يمكن تشبيهها إلاّ بجريمة اجتياح صدّام حسين للكويت في العام 1990.
جاءت الذكرى السابعة لاستشهاد الرجل لتؤكد ذلك ولتؤكد كم كان أبو بهاء بعيد النظر. بقي رفيق الحريري بعيد النظر حتى بعد غيابه عنّا...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00