8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انقسام عمودي في مصر..

الذين يزورون مصر هذه الأيام، يعودون بانطباع فحواه أنه سيمرّ وقت طويل قبل أن يكون هناك نظام جديد في البلد العربي الأكبر، أو على الأصحّ قبل أن نعرف طبيعة هذا النظام الجديد. مصر دخلت في المجهول. ليس لدى شبابها الذي كان وراء الثورة القدرة على ترجمة طموحاتهم على أرض الواقع، أي إقامة دولة عصرية ذات مؤسسات ديموقراطية، دولة قادرة على أن تكون منفتحة على العالم من دون عقد. هناك انقسام عمودي في مصر. للمرّة الأولى لا حديث سوى عن حزب العسكر من جهة وعن الإسلاميين من جهة أخرى.
دخل الشباب المصري الثورة في وقت لم يكن هناك من يتجرّأ على تحدي النظام المصري، باستثناء قليلين جدّاً مثل الدكتور سعدالدين ابراهيم أو الزميل ايمن نور. حصلت الثورة ولكن ليس معروفاً بعد هل انتهى النظام القائم منذ العام 1952؟ الأكيد أنه انتهى. حتى لو بقي العسكر مسيطرين على جزء من السلطة، سيكون ذلك وفق صيغة جديدة لم تتبلور بعد. باختصار، لا تزال مصر تبحث عن هذه الصيغة الجديدة.
كان الرئيس السابق حسني مبارك يسيطر سيطرة تامة على مصر. لم يكن يتصور حتى أن هناك من يستطيع الترشح ضدّه في الانتخابات الرئاسية. تجرأ ايمن نور يوماً على ذلك، فوجد نفسه في السجن لأسباب واهية. كان سجن ايمن نور الدليل الأوّل على أن النظام ضعيف. قبل ذلك، كانت الحملة على سعدالدين ابراهيم، الذي انتهى بدوره في السجن، دليلاً على هشاشة النظام وعقمه وفقدانه القدرة على تجديد نفسه. تبيّن أن حسني مبارك كان يعاقد مستشارين لديهم القدرة على قول الأشياء كما يجب أن تقال وليس الاكتفاء بالإشادة بحكمته وسعة إطلاعه وحنكته!
كيف كان ممكناً لحسني مبارك تجديد النظام في وقت لم يكن لديه متسع من الوقت للتفكير في أنه لم يستطع سوى أن يرث ايجابيات عهد أنور السادات من دون امتلاك ما يكفي من التواضع للاعتراف بذلك؟ لم يعترف حتى بأنّه لم يستطع صنع أي دور اقليمي لمصر باستثناء توفير غطاء عربي لإخراج صدّام حسين من الكويت على يد الأميركيين أوّلاً. كان ذلك من الإنجازات القليلة لمبارك على الصعيد الخارجي. الأكيد انّه لا يمكن إلا الاعتراف بالدور الذي لعبه الرئيس المخلوع على هذا الصعيد. إلا أن ما لا بدّ من الاعتراف به أيضاً أنه لم يستطع تطوير هذا الإنجاز بأيّ شكل من الأشكال. في عهد مبارك، لم يعد لمصر دور في السودان الذي كان تاريخياً الحديقة الخلفية لها!
هزّ شباب مصر النظام. ولكن من أسقط النظام في يوم معيّن هو الثامن والعشرين من كانون الثاني 2011 هم الإسلاميون. شعر الإسلاميون، على رأسهم الاخوان المسلمون، بأنّ شيئاً ما تغيّر في مصر نتيجة تحرّك الشباب المصري. انتهزوا الفرصة فوجهوا الضربة القاضية الى النظام مستهدفين يومذاك قوات الأمن المركزي. انهارت تلك القوّات التابعة أصلاً لوزارة الداخلية، فصارت الرئاسة المصرية مكشوفة...
فجأة تغيّر المشهد المصري. جاء سقوط مبارك نتيجة تفاهم واضح بين الإسلاميين والجيش الذي رفض دعم الرئيس مبارك لسبب في غاية الوضوح يتمثل في أن المؤسسة العسكرية تعترض على التوريث.
بعد أقل من سنة على سقوط حسني مبارك ومثوله أمام المحكمة مع نجليه علاء وجمال، لا تزال مصر تبحث عن نظام جديد. خسر الشباب المصري المعركة، خصوصاً أن هذا الشباب لم يكن يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، إضافة الى أنّه لم يكن لديه تصور لما سيفعله في الانتخابات. جرت الانتخابات. انتصر فيها الاخوان المسلمون كما تبيّن أن السلفيين صاروا قوّة لا يمكن الاستهانة بها. لم يعد مكان في مصر لأيّ نوع من الليبرالية. لم يستوعب الشباب المصري أن نتيجة سنوات طويلة من الرأسمالية المتوحشة سبقتها سنوات طويلة من الاشتراكية البائسة لم يكن يمكن أن تنتج سوى مجتمع مريض لا مكان فيه سوى لأشباه المتعلّمين. أشباه المتعلمين هؤلاء أقرب الى أشباه الأميين أكثر من أي شيء آخر في ضوء عدم قدرتهم على التمييز بين الواقع والشعارات الرنّانة أكانت ذات طابع ديني أو دينوي...
تدفع مصر حالياً ثمن ستين عاماً من القحط السياسي. ليس معروفاً هل ستتمكن المؤسسة العسكرية من الاحتفاظ بجزء من السلطة. الشيء الوحيد الثابت أن المستقبل للاخوان المسلمين. ولكن هل لدى هؤلاء مشروع محدد يعالج المشاكل العميقة للبلد على رأسها مشكلة التعليم بمفهومها الحضاري وحسب المقاييس المعترف بها دولياً؟ هل هم على استعداد للتعايش مع المؤسسة العسكرية لفترة معيّنة، أم سيطلبون حلّ المجلس العسكري في المستقبل القريب؟ ربما الأهمّ من ذلك، ما هي درجة اختراق الإسلاميين للمجلس العسكري؟ ما هي درجة اختراق النظام الإيراني للإسلاميين، خصوصاً للاخوان؟
عاجلاً أم آجلاً، سيتبيّن هل في إمكان الاخوان التعايش مع المؤسسة العسكرية، وهل في الإمكان الطلب من العسكريين الانصراف الى شؤونهم الخاصة والابتعاد عن السياسة؟ عاجلاً أم آجلاً سيتبين هل من بديل للمؤسسة العسكرية في مصر وما إذا كان النظام الذي استمرّ منذ العام 1952 قابل على استيلاد نظام آخر يمثّل النقيض التام له؟ في انتظار الإجابة عن مثل هذا النوع من الأسئلة ستظل مصر تبحث عن نظام جديد. قد يكون ذلك ممكناً كما قد يكون مجرّد سراب!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00