في عهد الثورات العربية، يفترض باللبنانيين ومعهم العرب العودة ست سنوات وبضعة اشهر الى خلف للتأكد من الاحداث التي شهدها الوطن الصغير وقتذاك، ساهمت الى حدّ كبير في وضع الاسس للتحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة حاليا. بالطبع، كانت المقدمة الحقيقية لهذه التحولات الاجتياح الاميركي للعراق الذي الغى ركيزة من الركائز التي قام عليها النظام الاقليمي، اسمها العراق كما عرفناه في الماضي. ولكن من ينظر بعمق الى ما جرى في لبنان، يرى ان خللا عميقا في التوازنات الاقليمية حصل بالفعل وانّ ايران انتقلت الى وضع اللاعب الاوّل في الوطن الصغير بعدما اعتبرت نفسها المنتصر الاوّل والوحيد من الحرب الاميركية على العراق في العام 2003.
يفترض في اللبنانيين ان يسألوا نفسهم اوّلاً ماذا كانت نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، على رأسهم النائب باسل فليحان في الرابع عشر من شباط 2005 في بيروت؟ الجواب انّ الاغتيال كان نقطة تحول على الصعيد الاقليمي. هكذا بكلّ بساطة. فجأة، صارت سوريا تحت رحمة ايران في لبنان. قبل الاغتيال الذي ادّى الى خروج القوات السورية من لبنان في نيسان من السنة 2005، كان هناك نوع من التوازن في العلاقة بين النظامين في سوريا وايران. بعد الاغتيال لم يعد ذلك وارداً، خصوصاً ان النظام السوري ليس قادراً على التخلص من عقدة لبنان والانصراف الى الاهتمام بسوريا والسوريين، الذين باشروا في السنة 2011 ثورة لا مثيل لها في تاريخ الثورات العربية. انها ثورة حقيقية بكل المقاييس تستهدف اوّل ما تستهدف استعادة المواطن السوري كرامته وتخلصه من نظام لم يكن لديه اي هدف في اي يوم من الايام سوى افقار المواطن من اجل تسهيل استعباده واذلاله باسم المقاومة والممانعة.
منذ العام 2005، حصل تغيّر تام في المعادلة الاقليمية. لم يعد للنظام السوري سوى نفوذ محدود الى حدّ كبير في لبنان من دون الميليشيا المسلحة الايرانية المسمّاة حزب الله. تلك الميليشيا المذهبية لا تخفي انها اليد الطولى لايران في لبنان. كذلك لا تخفي ان هدفها تغيير طبيعة المجتمع اللبناني على غرار تغيير طبيعة المجتمع الشيعي فيه. من مجتمع مرتبط بثقافة الحياة الى مجتمع متعلّق بثقافة الموت ومرتبط بها عضوياً.
زعيم تلك الميليشيا السيد حسن نصرالله لا ينكر ان ولاءه الاوّل والاخير هو لـمرشد الثورة الاسلامية في ايران السيّد علي خامنئي. هذا ليس سرّاً عسكرياً. مرجعية حزب الله في ايران وليست في سوريا. كلّ ما في الامر ان الفراغ الامني الذي خلفه الانسحاب العسكري والامني السوري من لبنان، امكن سدّه بفضل حزب الله الذي تحول ملجأً لكل المجموعات التي توالي النظام السوري في لبنان.
ما يدلّ على ذلك ان الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي هي عملياً حكومة حزب الله. صحيح ان الرئيس ميقاتي كان مجبراً على تشكيل الحكومة، بالطريقة التي تشكلت بها، لاسباب سورية بحتة لا تحتاج الى شرح طويل، الاّ ان الصحيح ايضاً ان ذلك لم يكن ممكناً لولا سلاح حزب الله!
ليس سرّاً ان حزب الله يبتزّ حالياً حكومة حزب الله. من يقف وراء الاضراب العمّالي المتوقع في السابع والعشرين من الشهر الجاري هو حزب الله الذي يتلذذ بتدمير الاقتصاد اللبناني بغية الحاق اكبر ضرر ممكن بالمؤسسات اللبنانية اكانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية...
في هذا البلد الصغير الذي اسمه لبنان لا وجود لايّ نوع من الاسرار. الطفل يعرف ان الاضراب الذي اعلنه الاتحاد العمّالي ليس ممكناً من دون غطاء يوفّره حزب الله الذي يستطيع في اي لحظة اعطاء اوامره الصارمة بوقف الاضراب والعودة الى لغة العقل والتعقّل.
لو كان هناك اتحاد عمّالي يمتلك حدّاً ادنى من المنطق، فانّ اوّل ما كان فعله هو التظاهر في وجه سلاح حزب الله. ان هذا السلاح هو الذي يحول دون اي تطوير للاقتصاد اللبناني. هذا السلاح يساهم في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية. هذا السلاح يحول دون مجيء مئات آلاف السياح الى لبنان. هذا السلاح هو الذي يمكن ان يؤدي الى تدمير النظام المصرفي في لبنان. هذا السلاح هو الذي يفقر عمّال لبنان.
من اجل السيطرة على لبنان، كان لا بدّ من اللجوء الى السلاح المذهبي. وفي مرحلة معيّنة، كان لا بدّ من التخلص من رفيق الحريري الذي دفع ثمن اعادة الحياة الى بيروت واعادة لبنان الى خريطة الشرق الاوسط.
يدفع النظام السوري حالياً ثمن دخوله هذه اللعبة التي اعتقد انه سيخرج منها رابحاً.
كانت نهاية النظام في اليوم الذي لم يعد صاحب الكلمة الفصل في لبنان، خصوصاً انه عاجز عن التخلص من عقدة لبنان من جهة وان يتصالح مع شعبه من جهة اخرى.
راهن على انه سيكون الرابح الاوّل من اغتيال رفيق الحريري. تبيّن مع الوقت انه الخاسر الاوّل وان ارتكاب خطأ الدخول في هذه اللعبة لا يشبه سوى المغامرة المجنونة لصدّام حسين في الكويت صيف العام 1990.
هناك من يريد ان يتعلّم مما حلّ بالآخرين وهناك من لا يريد ان يتعظ. كلّما مرّ يوم يتبين ان النظام السوري ينتمي الى اولئك الذين لا يريدون الاتعاظ مما حلّ بالآخرين، بمن فيهم جار في العراق كان نظامه نسخة طبق الاصل عن النظام السوري، اي نظام عائلي- بعثي بكلّ المواصفات المطلوبة!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.