أخيراً، وُجد في دمشق من يطلق شعار سوريا أولاً. مثل هذا الطرح يظلّ مفيدا حتى لو جاء من النظام الساعي الى انقاذ نفسه في وقت لم يعد هناك اي مجال لذلك. لا مجال لذلك الاّ في مخيلة بعض المرضى من اللبنانيين الذين ما زالوا يهربون من الواقع. هؤلاء لا يدركون ان المسألة مسألة اسابيع او اشهر ليس الاّ قبل ان تعود سوريا الى السوريين...اوّلا!
كان مهمّا طرح شعار سوريا أولاً، عن طريق صحيفة تابعة للنظام تصدر في دمشق وليس في مكان آخر نظرا الى انه يعني الكثير في مرحلة ما ستعود سوريا فيها الى كنف العروبة الحضارية. انها سوريا التي ستسعى الى تجاوز مشاكلها الداخلية ومشاكل شعبها الابي الذي يعرف ما هي طبيعة النظام القائم منذ وصول البعث الى السلطة في العام 1963 ثم انتقالها تدريجا الى حكم العائلة الواحدة ابتداء من العام 1970.
ان هذا الشعب الذي ينفّذ امّ الثورات العربية وربّما اشرف ثورة في التاريخ العربي القديم والحديث، انّما يعرف معنى شعار سوريا أولاً. انه يعني قبل كلّ شيء التوقف عن التلطي بالشعارات من نوع المقاومة والممانعة، وهي شعارات لم تعد سوى بالويلات على السوريين قبل غيرهم.
يعني هذا الشعار في طبيعة الحال الاهتمام بالسوريين وبتنمية ثروات سوريا بدل نهبها. ويعني ايضا وقف المتاجرة بقضايا العرب والتوقف عن لعب دور الجسر الايراني البديل المستخدم في اختراق كلّ منطقة عربية، بما في ذلك دول الخليج التي عانت كلّها من مؤامرات ايرانية. كانت سوريا منطلقا لهذه المؤامرات وذلك بغرض التمويه على العمليات التي تنفّذ انطلاقا من الاراضي الايرانية وتستهدف هذا البلد العربي او ذاك.
اضافة الى ذلك، يعني إعتماد هذا الشعار التوقف عن المتاجرة ايضا باللبنانيين والفلسطينيين. انها تجارة يمارسها نظام ليس قادرا لا على الحرب ولا على السلام. لا همّ للنظام سوى ممارسة لعبة الابتزاز بدل الانصراف الى معالجة المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الوطن والمواطن والتي جعلت مليون عامل سوري، اذا لم يكن اكثر، يعملون في لبنان بدل ان يكون هناك مليون عامل لبناني او اردني يعملون في سوريا.
لو قُدّر للنظام السوري الاعتراف، قبل اندلاع الثورة، بانّ شعار سوريا أولاً كان يمكن ان يشكل بالنسبة اليه طريق الخلاص بدل اعتماد سياسة الغاء الآخر، لما كان وزير الخارجية السوري السيّد وليد المعلّم مضطرا للشكوى من تهريب السلاح الى سوريا. كذلك، لم يكن مضطرا للجوء الى التزوير في محاولته اثبات ان هناك ارهابيين في سوريا. فطوال ما يزيد على اربعة عقود، لم يكن لدى النظام السوري من همّ سوى تهريب السلاح الى دول الجوار، خصوصا الى لبنان. من اين كانت تأتي الاسلحة التي حصل عليها الفلسطينيون في لبنان؟ من اين مصدر اسلحة الميليشيات التي تصدّت في البداية للوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان. الم تكن الاراضي السورية، مصدر معظم هذه الاسلحة، حتى لا نقول كلّها طوال سنوات وسنوات؟
لا حاجة الى البحث عن الاسباب التي دعت النظام السوري في كلّ ساعة الى التفكير في كيفية الاعتداء على جيرانه العرب. الم يقاوم دائما فكرة ترسيم حدوده مع الاردن؟ الم يدرج لواء الاسكندرون في خرائط الكتب المدرسية طوال عقود عدة... الى ان جاء يوم اكتشف فيه ان عليه الاستسلام للشروط التركية، بما في ذلك التنازل نهائيا عن اللواء السليب نتيجة اكتشافه ان اكراد عبدالله اوجلان لم يعودوا ورقة بمقدار ما صاروا عبئا عليه؟
لا حاجة طبعا، الى الحديث عن ضرورة ترسيم الحدود مع لبنان. كلّ ما يمكن قوله في هذا المجال ان الحدود بين البلدين كان يمكن ان تشكل منطقة تسمح بتعاون نموذجي في مجالات عدّة بين بلدين عربيين شقيقين. ما حصل بدل ذلك، ان مناطق الحدود تحولت معبرا لمسلّحين فلسطينيين وغير فلسطينيين تابعين للاجهزة السورية اقاموا قواعد في الاراضي اللبنانية وحوّلوها مقرّا لهم. هل من هدف لهذه القواعد سوى الاساءة الى لبنان واللبنانيين والقضية الفلسطينية في طبيعة الحال؟
لو طُبّق شعار سوريا أولاً باكرا، لكان النظام ايقن ان دعم ميليشيا مذهبية اسمها حزب الله الايراني بالسلاح وكلّ انواع التسهيلات في لبنان لا يتفق في اي شكل مع ما يدعيه مسؤولون سوريون عن تجاوز سوريا الانقسامات الطائفية والمذهبية. من يصدّر المذهبية والسلاح، لا يعود للاسف الشديد في منأى عن اخطار المذهبية والسلاح!
لا يمكن لنظام ان يكون ضدّ الاخوان المسلمين في سوريا ومعهم خارجها، كما الحال مع حماس التي تشكّل افضل تعبير عن الانتهازية السياسية. لم تتورّع حماس وهي من الاخوانعن ممارسة هذه الانتهازية مع النظام السوري نفسه بعدما اكتشفت انه هالك لا محالة...
اخيرا وليس آخرا، لو اعتمد النظام السوري شعار سوريا أولاً، لما كان مضطرا لان يكون شريكا في اغتيال افضل اللبنانيين من العرب الشرفاء الذين كان همّهم الاوّل محصورا بمساعدة سوريا على الانتماء الى العالم المتحضر...
المؤسف ان اطلاق شعار سوريا أولاً جاء بعد فوات الاوان. لم تعد المسألة مسألة شعارات تطلق من هنا او هناك، شعارات كان النظام السوري يستخدمها في الامس القريب في تخوين الآخرين الرافضين لسياسته القائمة على الابتزاز ليس الاّ من جهة وتحويله البلد مجرد تابع للنظام الايراني من جهة اخرى. ما هو مطروح حاليا: اي سوريا بعد رحيل النظام؟ وهل يمكن حماية سوريا مستقبلا من دون شعار سوريا أولاً؟ انه شعار للمستقبل وليس لنظام ينتمي الى الماضي.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.