8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المأزق الفلسطيني...

لم يعد امام الفلسطينيين من خيار غير المصالحة الوطنية. الجميع في حاجة الى المصالحة نظرا الى ان الجميع في مأزق. رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) يعاني من انسداد لكل الافاق السياسية. لم تعد المفاوضات خيارا نظرا الى ان كلّ ما تريده حكومة بنيامين نتنياهو هو التفاوض من اجل التفاوض. بالنسبة الى بيبي نتنياهو، تحوّلت المفاوضات هدفا بحد ذاته من اجل تمرير الوقت ليس الا وخلق واقع جديد على الارض.
ذهب ابو مازن الى مجلس الامن التابع للامم المتحدة من اجل كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها السياسة الفلسطينية. القى خطابا مهما امام الجمعية العامة للامم المتحدة. صفق له كثيرون، لكنّه اكتشف في الوقت ذاته ان مجلس الامن ومعه الامم المتحدة طريق مسدود اخر وان الادارة الاميركية لا تريد السماع بعضوية دولة فلسطين، في حدود 1967، في المنظمة الدولية. كذلك اكتشف ان الانقسام الفلسطيني كان من بين الاسباب التي ساعدت ادارة اوباما في الحؤول حتى دون تصويت في المجلس على طرح عضوية فلسطين في الجمعية العامة للامم المتحدة في وقت لاحق. لم تكن الولايات المتحدة مضطرة حتى الى استخدام الفيتو في مجلس الامن لافشال الطلب الفلسطيني. ربّما اكتشف ابو مازن اخيرا ان حلّ السلطة الوطنية ليس خيارا او وسيلة ضغط على الادارة الاميركية واسرائيل.
بالنسبة الى حركة حماس، لم يعد هناك من خيار سوى المصالحة، اقلّه من اجل متابعة عملية الهروب الى امام. استندت حماس في حملتها على السلطة الوطنية الى ان لا فائدة من المفاوضات مع اسرائيل وانّ البديل من المفاوضات هو المقاومة. تبيّن لـحماس ان المقاومة ليست حلا وان الصواريخ التي كانت تطلقها من قطاع غزة في اتجاه اسرائيل خيار مكلف. صار عليها العمل من اجل منع اطلاق الصواريخ التي كانت في الامس القريب كفيلة بتحرير فلسطين من البحر الى النهر ومن النهر الى البحر، لا فارق، من منطلق انها وقف اسلامي. بقدرة قادر اصبح اطلاق الصواريخ خيانة وطنية!
زاد من مأزق حماس الوضع السوري. لم تستطع الحركة الانحياز الى نظام يستخدمها ويوفر لها مأوى بعدما اصطدم هذا النظام بشعبه وبـالاخوان المسلمين الذين تعتبر الحركة نفسها جزءا لا يتجزّأ منهم.
لم تعد المفاوضات خيارا. ولم تعد المقاومة ممكنة. التقت السلطة الوطنية وحماس عند ضرورة الاستعانة بالمصالحة. ولكن مثلما لا يوجد شيء اسمه مفاوضات من اجل المفاوضات، لا وجود لشيء اسمه مصالحة من اجل المصالحة. لا بدّ من تحديد هدف واضح للمصالحة. وهذا يعني في طبيعة الحال توظيفها في مشروع سياسي يخدم القضية الوطنية المسماة القضية الفلسطينية التي هي قضية شعب موجود على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. كلّ ما يطالب به هذا الشعب المظلوم ممارسة حقوقه الوطنية على ارضه مثله مثل ايّ شعب اخر من شعوب المنطقة. كلّ ما يريده هذا الشعب تأكيد انه ضحية ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل عبر تمسّكها بالاحتلال!
مثل هذا الطرح يقود حتما الى الاعتراف بانّ المشروع السياسي الوحيد الذي لا يزال حيّا يرزق هو البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يحظى، الى اشعار اخر، بتأييد المجتمع الدولي ودعمه باستثناء اسرائيل والولايات المتحدة. هذا البرنامج قائم على خيار الدولتين الذي يتبيّن يوميا ان اسرائيل ترفضه نظرا الى رغبتها في تكريس احتلالها للجزء الاكبر من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية. المؤسف ان حماس تشارك اسرائيل في رفض هذا المشروع، علما ان ليس لديها بديل منه باستثناء العمل من اجل تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بدل السعي الى التخلص من الاحتلال!
تبدو الحاجة اليوم قبل غد الى ما هو ابعد من المصالحة. تبدو الحاجة الى تفكير جدّي في كيفية الخروج من المأزق الذي تعاني منه السلطة الوطنية وحماس في آن. الكلام الجميل ليس كافيا، كذلك الحديث عن مقاومة شعبية او مدنية بديلا من المقاومة المسلحة. المقاومة الشعبية او المدنية الحقيقية في حاجة الى انهاء عملي للانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ليس صحيحا ان الفلسطينيين اخوة وان ما مضى قد مضى. الواقع ان هناك فلسطينيين قتلوا فلسطينيين لمجرد انهم ينتمون الى فتح. هناك جرائم حقيقية ارتكبت بدم بارد ذهب ضحيتها ابرياء. هذا حصل منتصف العام 2007 وفي مراحل لاحقة وسابقة مهّدت لسيطرة حماس بالقوة على غزة بدعم واضح من النظام في ايران. هل تضع المصالحة حدّا لحال الانقسام القائمة بين الضفة والقطاع؟ هل يصبح في استطاعة اي فلسطيني دخول غزة والخروج منها من دون مضايقات من اي نوع كان؟ هل تنهي المصالحة الامارة الاسلامية الطالبانية، نسبة الى طالبان التي اقامتها الحركة في غزة؟
ما قد يكون اهمّ من ذلك كلّه، هل في استطاعة حماس قبول البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والعمل على بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي قد ترى النور يوما بغض النظر عن العراقيل التي تضعها اسرائيل في وجه المشروع الوطني الفلسطيني؟
في غياب القدرة على الاجابة عن مثل هذا النوع من الاسئلة، لن تكون المصالحة الفلسطينية سوى اتفاق ضمني بين السلطة الوطنية وحماس لا هدف منه سوى التغطية على المأزق الذي يعاني منه الطرفان. في النهاية، هل يكفي الهرب من المأزق للخروج منه؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00