لا يزال معظم العرب يعيشون في عالم آخر. الدليل على ذلك أن بعض العرب فرح بقول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو كذّاب. راحوا يزايدون على ساركوزي. اعتبروا الكلام الذي قاله عن رئيس الوزراء الاسرائيلي، والذي تسرب الى الصحافيين عن طريق الصدفة، يمكن البناء عليه. ما الذي يمكن بناؤه على كلام صادر عن رئيس فرنسي يعاني من بيبي نتنياهو ومن عدم رغبته في الاقدام على ايّ خطوة تصب في اتجاه السلام؟
لم يتغيّر بيبي نتنياهو يوما. بقي صادقا مع نفسه الى ابعد حدود. فبيبي نتنياهو لم يكن يوما سوى مراوغ يعتقد ان الوقت يعمل لمصلحة اسرائيل الكبرى ويرى ان عليه استغلال الوقت لخلق امر واقع جديد على الارض يتمثل في زيادة عدد المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة. ولذلك، عندما كان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيّد محمود عبّاس (ابو مازن) يلتقيه للبحث في كيفية التوصل الى تسوية، كان بيبي يضع جانبا الخرائط التي جاء بها ابو مازن ثمّ يدخل معه في حديث طويل عن اولوية الامن بالنسبة الى اسرائيل وعن المواقع التي يتوجب عليها الاحتفاظ بها في الضفة الغربية وعلى طول الخط الفاصل بين المملكة الاردنية الهاشمية من جهة والضفة من جهة اخرى.
دفع ذلك برئيس السلطة الوطنية الى انهاء الاجتماع الطويل والاخير بينه وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي بقوله انه يفضّل بقاء الاحتلال على بلوغ تسوية من هذا النوع.
ما جرى في الاجتماع الاخير بين ابو مازن ونتنياهو يفسّر الى حد كبير اليأس الذي دفع بالفلسطينيين الى التوجه الى الامم المتحدة، والى مجلس الامن تحديدا، في محاولة للحصول على مقعد لدولة فلسطين في المنظمة الدولية وذلك من منطلق ان حدود هذه الدولة هي خطوط العام 1967 .
في غياب الدعم الاميركي للتوجه الفلسطيني، واجه ابو مازن حائطا مسدودا. سيصفق كثيرون لخطابه في الامم المتحدة ولكن من دون ان يعني ذلك تحقيق اي انجاز من اي نوع كان على الصعيد العملي، اي على صعيد اجبار اسرائيل على تحقيق تسوية تؤدي الى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. سيصفق له كثيرون، مثلما سيصفق بعض العرب لساركوزي الذي يفترض بأيّ مسؤول عربي ان يسأله: ماذا بعد وصفه لرئيس الوزراء الاسرائيلي بانه كذّاب وانه لا يستطيع تحمّله. ربما يفترض في ايّ مسؤول عربي ان يسأل نفسه اوّلا كيف يمكن صرف الكلام غير العلني لساركوزي؟ الواضح ان مثل هذا الكلام لا يقدّم ولا يؤخّر. في النهاية، لا بدّ ان نتذكّر ان كلام الرئيس الفرنسي ليس كلاما علنيا. ولا بدّ ان نتذكّر ايضا ان بيبي كان يكذب في الامس وهو يكذب اليوم وسيكذب غدا، خصوصا عندما يدّعي العمل من اجل السلام. فوق ذلك كلّه، لن يتجرأ اي رئيس او مسؤول كبير او صغير في الولايات المتحدة او اوروبا على اتخاذ موقف يُشتمّ منه ان هناك اعتراضا على السياسة الاسرائيلية الهادفة الى منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. تجرّأ الرئيس اوباما في يوم من الايّام على ادانة الاستيطان الاسرائيلي وما لبث ان تراجع عن ذلك بكل طيبة خاطر! ربما تكمن مشكلة اوباما في انّه لم يتحسّب يوما للتعنت الاسرائيلي والى مدى النفوذ الذي يمتلكه بنيامين نتنياهو في واشنطن دي.سي. عبر اللوبي الاسرائيلي.
هذا هو الواقع الذي يفترض في الجانب الفلسطيني مواجهته. فمع مرور الايّام، يتبيّن ان الذهاب الى مجلس الامن لم يكن سوى مغامرة في المجهول. لم تضطر ادارة اوباما، ولن تضطر حتى، الى استخدام الفيتو لمنع تمرير الطلب الفلسطيني في شأن الحصول على العضوية الكاملة في الامم المتحدة. لم يستطع الفلسطينيون الحصول على تسعة اصوات مؤيدة لهم في المجلس. خذلتهم دول كانوا يعتقدون انها في الجيب... الى ان تبيّن انها مجرد دول عاجزة عن مواجهة ايّ ضغط اميركي.
والان ما العمل؟ ليس ما يدعو الى التفاؤل. هناك مأزق فلسطيني يشكل افضل تعبير عن المأزق العربي. لكنّ ذلك لا يمنع القول للفلسطينيين ان قضيتهم لا تزال حية ترزق نظرا الى انها قضية شعب يريد التخلص من الاحتلال واستعادة حقوقه الوطنية المشروعة اوّلا.
شئنا ام ابينا، ان الفلسطينيين في وضع لا يُحسدون عليه. لكنّ هذا الوضع يجب ان لا يحول دون التمسك بحقوقهم من جهة ومتابعة العمل من اجل بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية من جهة اخرى. في موازاة ذلك، لا معنى لايّ مصالحة من اي نوع كان مع حماس في غياب الاتفاق على وجوب بناء المؤسسات الفلسطينية مع التمسك بالمشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير. كلّ كلام عن مصالحة من دون اتفاق على برنامج سياسي واقعي مضيعة للوقت لا اكثر.
كذلك، يظلّ كلّ كلام عن حل السلطة الفلسطينية كلاما غامضا وذلك على الرغم من جديته. لا كلام ساركوزي ينفع في شيء ولا الكلام عن حلّ السلطة الوطنية يعني شيئا. لا يمكن مواجهة نتنياهو الاّ بخلق امر واقع جديد على الارض. هذا الواقع الفلسطيني صنعته حكومة الدكتور سلام فيّاض التي بنت مؤسسات فلسطينية قابلة للحياة. هذه المؤسسات جعلت الارض الفلسطينية ارضا غير طاردة لاهلها كما ترغب اسرائيل.
هل مطلوب من الفلسطينيين التعاطي مع الواقع، بما في ذلك كذب نتنياهو ام دخول مغامرات اخرى في المجهول؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.