8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تونس: إلغاء للحياة السياسية أم إحياء لها؟

يصعب توجيه اي انتقاد للانتخابات التونسية. هناك شبه اجماع لدى المراقبين الدوليين على ان انتخابات المجلس التاسيسي جرت في ظروف طبيعية واجواء ديموقراطية الى حدّ ما، علما ان استخدام المال فعل فعله في دعم مرشحين ينتمون الى احزاب معيّنة. كان تقدم النهضة على الاحزاب الاخرى طبيعيا، ذلك ان الاخوان المسلمين في تونس منظمون، بل انهم الحزب الوحيد الذي يمتلك تنظيما حقيقيا في البلد. اضافة الى ذلك، انهم يمتلكون امكانات لم تكن متوافرة لدى الاخرين.
جاء انتصار النهضة في وقت كانت الاحزاب اليسارية والعلمانية، تتلهى في تصفية الحسابات في ما بينها بدل تشكيل جبهة عريضة يمكن ان تشكل في المستقبل حاجزا في وجه الذين سيحاولون جعل تونس بلدا متخلفا على كل صعيد تحت شعارات دينية تخفي طموحات سياسية ولا شيء اخر...
مع انهيار الحزب الحاكم، التجمّع الدستوري الديموقراطي، نتيجة سقوط النظام الفردي الذي اقامه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، قفز النهضة الى الواجهة مستفيدا من الفراغ السياسي في البلد. كيف سيوظّف الحزب الاسلامي انتصاره الانتخابي هو السؤال الذي يطرح نفسه حاليا. هل سيكرّس الغاء الحياة السياسية في تونس على غرار ما فعله بن علي الذي كان يكره رؤية سياسيين حقيقين يمتلكون حيثية حوله او في المعارضة، ام سيلعب دورا في احياء الحياة السياسية بما يشجع قيام احزاب اخرى تمتلك برامج سياسية واقتصادية واجتماعية خاصة بها لا تتفق بالضرورة مع رؤية زعيم النهضة الشيخ راشد الغنوشي لتونس والعالم؟
الى الان، صدرت اشارات مطمئنة عن الغنوشي وغيره من القياديين في النهضة. كانت الاشارة الايجابية الاولى تلك المتعلقة بحقوق المراة والرغبة في المحافظة على المكاسب التي حققتها في عهدي بورقيبة وبن علي. هناك اشارة ايجابية اخرى مرتبطة بالرغبة في عدم احتكار السلطة والانفتاح على القوى السياسية الاخرى في سياق السعي الى تشكيل حكومة جديدة برئاسة السيد حمادي الجبالي الامين العام لـالنهضة. هل الانفتاح تعبير عن رغبة صادقة في الانفتاح على الاخرين ام مجرد خطوة ذات طابع تكتيكي تصب في مشروع اكبر هدفه النهائي تغيير طبيعة المجتمع التونسي؟
ما يدعو الى التعامل الحذر مع النهضة الكلام الذي يصدر عن الغنوشي وغيره عن التعريب. ليس مفهوما بعد المقصود بـالتعريب. هل المطلوب نقل التجربة الجزائرية الفاشلة الى تونس... ام نشر الجهل في انحاء البلد وفي كل الاوساط بغية السيطرة بطريقة افضل على التونسيين وتدجينهم باسم الدين من جهة ورفض الاخر من جهة اخرى؟
الثابت ان مستوى اللغة العربية في تونس بين افضل المستويات في العالم العربي. الثابت ايضا ان تعلّم اللغات الاجنبية، خصوصا الانكليزية والفرنسية يساعد كثيرا في تطوير اللغة العربية عند الذين يتكلمونها او يكتبون بها. ما المقصود اذا بالكلام عن التعريب بدل الكلام عن كيفية رفع مستوى التعليم في تونس التي لا تمتلك ثروات طبيعية تذكر؟
على الصعيد العملي، لدى تونس ثروة مهمة اسمها الانسان الذي يمتلك حدّا ادنى من الثقافة والقدرة على التعاطي مع كلّ ما هو حضاري في هذا العالم. فما لا يمكن تجاهله في اي لحظة ان تونس على مرمى حجر من القارة الاوروبية وانها في حاجة مستمرة الى تطوير قدرات المواطن العادي بغية تمكينه من ان يكون عنصرا فاعلا في كلّ ما من شانه تحسين الاقتصاد والوضع الاجتماعي في البلد بدل السعي الى الهجرة بايّ شكل من الاشكال وباي وسيلة متوافرة. وهذا يشمل في طبيعة الحال العمال المؤهلين للعب دور في زيادة حجم الصناعات التحويلية التي تشغل مكانا مميزا في الاقتصاد التونسي من جهة وتوسيع القطاع السياحي من جهة اخرى. من دون الصناعات التحويلية والسياحة والزراعة، طبعا، سيتضاعف عدد العاطلين عن العمل في تونس. هل هناك تفكير لدى النهضة في مستقبل تونس وفي كيفية تعزيز وضع الطبقة المتوسطة التي تشكل العمود الفقري للمجتمع... ام المطلوب زيادة عدد البائسين من اشباه الاميين العاطلين عن العمل الذين يسهل السيطرة عليهم باسم الدين والشعارات الطنّانة؟
في كلّ الاحوال، كانت الانتخابات التونسية ظاهرة صحية. ولكن ماذا بعد الانتخابات التي شابتها، من بين ما شابها، تجاوزات طاولت قائمة السيد الهاشمي الحامدي الذي كان قريبا من الغنوشي في الماضي؟
كان ملفتا تحقيق تلك القائمة نتائج طيبة فاجات كلّ الذين تابعوا الانتخابات وربما فاجات قياديي النهضة حتّى. الاكيد ان التجاوزات لا تلغي ايجابيات الانتخابات التونسية، لكنها تستوجب التعاطي بحذر مع الرغبة في الانتقام من شخصيات معينة يفترض ان يكون لها مكان في الخريطة السياسية للبلد ما دامت تمتلك قاعدة شعبية في مناطق معينة.
هل تستغل الاحزاب الاخرى الاشهر المقبلة من اجل تطوير نفسها وتنظيم صفوفها كي تلعب دورا على صعيد تعزيز الحياة السياسية ونشر الديموقراطية، ام تستسلم لـالنهضة تماما كما استسلمت للحزب المهيمن في عهد بن علي؟
تبدو التجربة التونسية في غاية الاهمية. ستكشف حقيقة نيات الاخوان المسلمين وقدرة المجتمع التونسي على المقاومة. انها مقاومة لاي محاولة تستهدف العودة الى احتكار حزب واحد كبير للحياة السياسية في البلد واي محاولة للعودة بتونس الى خلف، اي الى التخلف والجهل، باسم التعريب احيانا والرغبة في الانتقام من عهدي بورقيبة وبن علي تحت شعار التصدي لـالتغريب في احيان اخرى. منذ متى كان الاقتداء ببعض محاسن الغرب تهمة؟ ثم هل وجد راشد الغنوشي مكانا اخر غير الغرب يلجأ اليه عندما تعرّض للظلم في عهد بن علي؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00