منذ ما يزيد على خمس سنوات، كانت غزة أسيرة الأسير الإسرائيلي جلعاد شليط. الآن وبعد التوصل الى صفقة بين حماس وحكومة بنيامين نتنياهو بوساطة الإخوان المسلمين في مصر ووسيط ألماني أو أكثر، هل تتحرر غزة من الأسر... أم تبقى أسيرة ما هو أخطر من أن يكون القطاع أسير جندي إسرائيلي محتجز منذ حزيران 2006؟
الأخطر من أن يكون القطاع أسير جندي إسرائيلي يتمثّل في بقائه أسير عقلية معيّنة تعتبر أن تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني أهمّ بكثير من التخلص من الاحتلال. لذلك، لا يمكن أن يُقاس أي انتصار ناتج عن صفقة إطلاق شليط إلا بمدى النجاح في التخلص من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية. في النهاية ماذا يعني أطلاق ألف وسبعة وعشرين أسيراً فلسطينياً في مقابل الإفراج عن جلعاد شليط؟ أليس في استطاعة إسرائيل، في أقلّ من أسبوع، أسر ما يزيد على ألف فلسطيني متى تستنفد الغرض من الصفقة؟
في حسابات الربح والخسارة، خسرت غزة الكثير في السنوات الخمس الأخيرة. يكفي أنها صارت تحت الحصار ولا تزال كذلك. ويكفي أن هناك عائلات لا تزال في العراء منذ الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع أواخر العام 2008 وبداية العام 2009.
في تلك الحرب التي استُخدم أسر جلعاد شليط غطاء لها، مارست إسرائيل إرهاب الدولة فيما العالم يتفرّج. قتلت ما يزيد على ألف وأربعمئة فلسطيني معظمهم من المدنيين، بما في ذلك نساء وأطفال ودمّرت ربع البنية التحتية للقطاع. قتلت إسرائيل من أرادت قتله من قادة حماس وحاصرت من أرادت محاصرته. انسحبت من غزة بعدما تأكدت أن حماس مستمرة في السيطرة على غزة وأن لا هدف لها سوى الاحتفاظ بـإمارة إسلامية على الطريقة الطالبانية، نسبة الى طالبان.
في السنة 2011، حققت إسرائيل سلسلة من الأهداف عبر التوصل الى صفقة مع حماس. قبل كل شيء، يستطيع بنيامين نتنياهو تصوير نفسه بطلاً وطنياً أصرّ على استعادة الأسير حيّاً وفي صحة جيدة. فضلاً عن ذلك، سيكون قادراً على القول إن الثمن الذي دفعه لا يمثل شيئاً ما دام في استطاعته إعادة الأسرى الى السجون الإسرائيلية متى شاء ذلك من جهة، وما دام الهدف النهائي إبقاء حماس حية ترزق في مواجهة مستمرة ويومية مع السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
تبدو الصفقة بين حماس وإسرائيل وكأنها امتداد للمؤتمر الذي عقد أخيراً في طهران بهدف التأكيد أن هناك مقاومة عربية- إسلامية قادرة على تحرير فلسطين من البحر الى النهر أو من النهر الى البحر لا فارق. إنه شعار لا يخدم سوى إسرائيل التي تتذرع بمثل هذا النوع من المؤتمرات لإظهار نفسها في مظهر الضحية في حين أنها تمارس أبشع أنواع الإرهاب عن طريق الإصرار على تكريس احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية. ولذلك، ليس صدفة أن يعلن السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـحماس عن صفقة شليط من دمشق بعد أيام من مشاركته في مؤتمر طهران. يبدو مطلوباً أكثر من أيّ وقت ظهور المحور الإيراني- السوري في مظهر من لا يزال قادراً على عقد صفقات مع إسرائيل... أو تسهيل صفقات تعقدها حماس معها.
يبقى أنّ أهمّ ما في صفقة شليط توقيتها. إنها تأتي فيما السلطة الوطنية الفلسطينية تسعى الى الحصول على اعتراف من الأمم المتحدة بدولة فلسطين في حدود العام 1967. هناك حرب إسرائيلية على هذا التوجه. ولذلك كان مفيداً إعادة تعويم حماس التي تقاوم بدورها الجهد الفلسطيني في الأمم المتحدة.
ليس سرّاً أن صفقة شليط أحرجت رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبو مازن) الذي لم يجد ما يقوله سوى الترحيب بإطلاق أسرى فلسطينيين. يعرف أبو مازن قبل غيره أنه لو كانت إسرائيل مهتمة بمفاوضات جدّية مع السلطة الوطنية من أجل التوصل الى هدف الدولتين، لكان أولّ ما فعلته إطلاق مجموعة من الأسرى. الأكيد أن السلطة الوطنية تلقت ضربة قوية. سيترتب عليها التعاطي مع واقع جديد يتمثل في أن حماس غير راغبة في دعم المشروع الوطني الفلسطيني من جهة وأن إسرائيل على استعداد لدعم أي طرف فلسطيني يقف في وجه خيار الدولة المستقلة من جهة أخرى. وهذا يعني في طبيعة الحال أن كلّ كلام عن مصالحة فلسطينية لا معنى له ما دام الهدف من المصالحة غير واضح.
لا مفرّ من الاعتراف في نهاية المطاف أن لا وجود لشيء اسمه مصالحة من أجل المصالحة في غياب الهدف السياسي المحدد، تماماً مثلما أن لا وجود لشيء اسمه التفاوض من أجل التفاوض على الطريقة الإسرائيلية. تريد حماس مصالحة من أجل المصالحة وتريد إسرائيل التفاوض من أجل التفاوض. لعلّ صفقة جلعاد شليط التي نضجت على نار هادئة وكلفت الفلسطينيين مئات القتلى والجرحى والكثير من الدمار أفضل تعبير عن هذا الواقع الذي يمكن تسميته مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.