قبل عشرين عاما انعقد مؤتمر مدريد. كان المؤتمر نقطة تحوّل في تاريخ الشرق الاوسط الحديث نظرا الى انه شكل اوّل محاولة جدية برعاية دولية للتوصل الى تسوية شاملة في الشرق الاوسط. اجبرت الادارة الاميركية إسرائيل على المشاركة في المؤتمر على الرغم من كل المقاومة التي أظهرها اسحق شامير رئيس الوزراء وقتذاك. كان شامير يعارض اي تسوية من اي نوع كان في حال تضمنت اي انسحاب من الاراضي العربية المحتلة. دخل في مواجهة مباشرة مع ادارة جورج بوش الاب. كانت النتيجة انه جُرّ الى مدريد جَرّا.
انعقد المؤتمر على اساس احترام قرارات الشرعية الدولية، على رأسها القرار الرقم 242 الصادر عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة الذي يؤكد عدم جواز الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة ومبدأ الارض في مقابل السلام. على الرغم من الغموض الذي اكتنف النص الانكليزي للقرار الذي تحدث عن انسحاب منمن اراض محتلة بدل من الاراضي المحتلة، يظل هذا القرار في اساس اي تسوية يمكن التوصل اليها يوما في المنطقة التي دخلت في مخاض ليس معروفا كيف ستخرج منه.
في تشرين الاول من العام 1991، شعرت الولايات المتحدة انها تمتلك من القوة ما يسمح لها بالمغامرة في السعي الى تسوية تاريخية في الشرق الاوسط. قبل كلّ شيء، كان الاتحاد السوفياتي على شفا الانهيار. وقد إنهار فعلا مطلع العام 1992. كانت مشاركة الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في رعاية المؤتمر شكلية الى حدّ كبير. شعرت الولايات المتحدة انها انتصرت في الحرب الباردة وانه لم يعد في العالم سوى قوة عظمى واحدة. الدليل على ذلك ان اميركا استطاعت إقامة تحالف دولي واسع، شارك فيه العرب، من اجل تخليص الكويت من الاحتلال العراقي.
ما الذي تغيّر في عشرين عاما؟ الأكيد ان اميركا تغيّرت. لم تعد القوة العظمى التي لا منازع لها في العالم. هناك قوى اخرى تتجرّأ على تحديها. تقف اسرائيل على رأس هذه القوى.
من يقارن بين الرئيس باراك اوباما وجورج بوش الاب وطريقة تعامل كل منهما مع اسرائيل، يكتشف فارقا شاسعا بين رئيس اميركي كان قادرا على فرض ارادته على رئيس الوزراء الاسرائيلي ومعاقبته ورئيس اميركي حالي مضطر الى الاعتراف بأنّ اللوبي الاسرائيلي يقرر سياسة البيت الابيض. اكثر من ذلك، سيضطر المندوب الاميركي في مجلس الامن، بعد ايّام، الى استخدام الفيتو لإسقاط مشروع قرار يدعو الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في اطار حدود 1967، عضوا كامل العضوية في الامم المتحدة. كلّ ما في مشروع القرار يستند الى نصوص استخدمها مسؤولون اميركيون في وصف الدولة الفلسطينية القابلة للحياة. بكلام اوضح، ستجد الادارة الاميركية نفسها مضطرة الى استخدام الفيتو لاسقاط نص اصوله اميركية!
بين 1991 و2011، تغيّرت الولايات المتحدة. تغيّر الشرق الاوسط ايضا. المنطقة تبحث عن توازنها في ضوء الزلزال العراقي الذي قلب موازين القوى ومكّن إيران من ان تكون المنتصر الوحيد من الاحتلال الاميركي للعراق ومن سقوط نظام كان يجب ان يسقط. كان مطلوبا سقوط النظام العائلي- البعثي ولكن من دون ان تحلّ مكانه تركيبة جديدة باتت طهران قادرة على التحكم بها من منطلقات مذهبية.
بين 1991 و2011، لم تتغيّر اسرائيل. كان الناطق باسم الوفد الاسرائيلي في مدريد يدعى بنيامين نتانياهو الذي يعرفه الناس تحت تسمية بيبي. انه تلميذ نجيب لاسحق شامير الذي قال في مدريد انه ما دمنا مضطرين الى التفاوض، سنفاوض طوال عشر سنوات. كان المهم بالنسبة الى شامير التفاوض من اجل التفاوض وخلق واقع جديد على الارض. تفاوضت اسرائيل مع العرب ما يزيد على عشر سنوات. النتيجة لا تزال إيّاها. هناك رغبة في التفاوض من اجل التفاوض. المؤسف ان الولايات المتحدة باتت مقتنعة بهذه النظرية ولم تعد قادرة على القول لـبيبي او للمنتمين الى مدرسته ان كفى تعني كفى وان الاحتلال ممارسة لإرهاب الدولة.
بعد عشرين عاما على مؤتمر مدريد، يتبين ان قلائل بين العرب عرفوا ان هناك فسحة محدودة من الوقت لا بدّ من استغلالها لقطع الطريق على المخططات الاسرائيلية. احد القلائل الذين استغلوا تلك الفسحة هو الملك الحسين، رحمه الله، الذي سارع الى استغلال وجود اسحق رابين في السلطة وتوصل في العام 1994 الى اتفاق السلام الذي أعاد الى الاردن حقوقه في الارض والمياه وأوجد في الوقت ذاته حاجزا في وجه مشروع الوطن البديل الذي لا يزال في اسرائيل من يؤمن به. رسم الاردن بخطوته الشجاعة حدود الدولة الفلسطينية التي لا مفرّ لاسرائيل من الاعتراف بها يوما...في حال بقي مجال لتسوية تاريخية تؤمن حدّا ادنى من الحقوق الفلسطينية التي هي حقوق شعب موجود على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. ربما كان ذلك في حاجة الى مؤتمر جديد على غرار مؤتمر مدريد.
إسرائيل لم تتغيّر. انها تجد نفسها في موقع قوي بسبب الضعف الاميركي اوّلا. ولكن على الرغم من هذا الخلل، لا يمكن تجاهل ان الفلسطينيين ليسوا سلعة كما يتصور المشاركون في مؤتمر طهران الاخير. هناك عقل فلسطيني جديد بات يفرق بين الممكن والمستحيل ولا يتجاهل موازين القوى في العالم والمنطقة. هناك عقل فلسطيني يعرف ان لا وجود لشيء اسمه التفاوض من اجل التفاوض، لكنه يعرف ايضا ان الشعارات لا تصنع دولة وانّ رفع الشعارات الكبيرة من نوع تحرير فلسطين من النهر الى البحر اكبر خدمة يمكن تقديمها لاسرائيل.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.