من الدروس التي يمكن استنتاجها من الأحداث التي يشهدها العالم العربي منذ اقلّ من سنة هو انّ على كلّ دولة او كلّ مجموعة الاهتمام بشؤونها الخاصة. هذا يعني ان على النظام فيها التصالح مع شعبه اوّلا وان يعمل في الوقت ذاته على الاهتمام بمحيطه المباشر. فما لم يعد في الامكان تجاهله ان على كلّ مجموعة عربية الإقدام على خطوات معينة للمحافظة على امنها. كلّ ما عدا ذلك هرب من الواقع تمارسه أنظمة ترفض الاعتراف بأن مشكلتها الاولى مع شعبها، كما حال النظام السوري على سبيل المثال وليس الحصر!
من هذا المنطلق، لا يمكن الاستهانة بالخطوة الخليجية المتمثلة في التدخل في مملكة البحرين بغية وضع حدّ لمحاولة مكشوفة، تلقى دعما خارجيا، تستهدف قلب النظام فيها وأخذ البلد الى المجهول.
تكمن أهمية ما أقدم عليه الخليجيون في البحرين في أنّ مجلس التعاون لدول لخليج العربية أظهر أخيراً ان لديه أنياباً وانه ليس على استعداد للتراجع أمام التهديدات الإيرانية. الأهمّ من ذلك، ان المجلس تصدّى للمطامع الإيرانية في البحرين وترك الاصلاحات تأخذ مداها. تتقدم الاصلاحات أحيانا وتتعثر في احيان اخرى. ولكن يبقى المهمّ ان هناك نقاشا صحّيا محوره ضرورة التعاطي مع تعقيدات الوضع الداخلي.
لم يكن تدخل مجلس التعاون حائلا دون المطالب الاصلاحية وانما وقف في وجه حركة مدعومة من خارج كان يمكن ان تشكّل تهديدا لكل دولة خليجية نظرا الى كون منطلقاتها ذات طابع مذهبي قبل اي شيء آخر. بكلام أوضح، ان الخطر الأكبر الذي يواجه الامن العربي عموما والامن الخليجي خصوصا هو خطر إثارة الغرائز المذهبية التي أججتها الحرب الاميركية على العراق. لم يخرج من تلك الحرب سوى منتصر واحد هو النظام في إيران الذي اعتبر الحرب الاميركية حربه وكان الحليف الوحيد الاقليمي الوحيد لجورج بوش الابن في مرحلة ما قبل الحرب وفي الفترة التي تلتها...
كان التدخل الخليجي في البحرين نقطة تحوّل على الصعيد الاقليمي. كشفت الدول العربية في الخليج ان لديها أوراقها وانها ليست مستعدة للسكوت عن سياسة إيرانية تعتمد التهويل من جهة والشعارات الكبيرة التي تغطي نية عقد صفقات مع الشيطان الأكبر الاميركي من جهة اخرى. استطاع الخليجيون إفشال الاستهداف الإيراني للبحرين وأكدوا في الوقت ذاته ان المملكة الصغيرة تمتلك اصدقاء حقيقيين يعتبرون أمنها جزءا من امنهم.
لا شكّ ان ثمة حاجة الى جهد خليجي استثنائي لاستيعاب الازمة الكبرى الاخرى التي تهدد امن المنطقة انطلاقا من اليمن. لا مفرّ من استيعاب هذه الازمة المعقدة من منطلق ان امن اليمن لا يمكن فصله عن امن الخليج. وفي غياب القدرة على التدخل عسكريا في اليمن كما حصل في البحرين، يبدو مفيدا التفكير في حلول عملية تأخذ في الاعتبار طبيعة الازمة اليمنية ووجود اسس يمكن الانطلاق منها في اتجاه تحقيق تسوية تضمن الانتقال الى يمن جديد يكون فيه تداول سلمي للسلطة بعيدا من الثورات والانقلابات وتصفية الحسابات الشخصية. لعلّ المشكلة الأكبر التي تواجه بعض الشخصيات اليمنية المعنية بعملية التغيير تتلخص في ان هذه الشخصيات لا تدرك ان طبيعة اللعبة السياسية في البلد تغيّرت جذريا وان لا مجال لتحقيق انتقال سلمي للسلطة من دون صيغة معقولة ومقبولة تأخذ في الحسبان القوة التي يمثلها الرئيس علي عبدالله صالح من جهة وما يدور في شمال الشمال او اقصى الجنوب او الوسط من جهة اخرى.
أظهرت دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الاخيرة انها ليست مجرد متفرج على ما يدور في المنطقة. أظهرت انها قادرة على المواجهة متى تعلّق الامر بالمحافظة على امنها وانها ليست مستعدة للتخلي عن حقوقها بالسهولة التي تعتقدها إيران وغير إيران. صحيح ان الاخيرة تمتلك امكانات كبيرة، وانها صارت لاعبا اساسيا في العراق وسوريا ولبنان، لكنّ الصحيح ايضا انها تعاني من مشاكل ضخمة في مقدمها عدم القدرة على بناء اقتصاد متين لا يعتمد على النفط ولا شيء آخر غير النفط.
أكثر من ذلك، تمارس ايران سياسة طموحة على الصعيد الاقليمي تقوم على إثارة الغرائز المذهبية. مثل هذه السياسة لا يمكن الا ان ترتدّ عليها يوما نظرا الى ان مجتمعها نفسه ليس محصنا في وجه مثل هذا النوع من الأوبئة.
يفترض في اعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية عدم الاستخفاف بقدرتهم على التأثير في المحيط. في النهاية لعبت دولتان من الدول الست في المجلس دورا في حصول التغيير في ليبيا. قد لا يكون صدفة ان الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد زار موريتانيا والسودان أخيرا، علما ان لكل من موريتانيا والسودان مشاكل معروفة عائدة الى التركيبة الهشة للبلدين. فموريتانيا في حاجة دائمة الى الارتماء في حضن دولة ما. وقد تحالفت في مرحلة ما مع النظام العراقي العائلي- البعثي قبل سقوطه وانتقلت بعد ذلك الى اسرائيل، ثم الى ليبيا- القذافي وها هي الآن تجرّب حظها مع إيران. امّا السودان، فهو في حال من التخبط في غياب قدرة النظام على التعاطي مع مرحلة ما بعد انفصال الجنوب واحتمال قيام دولة مستقلة اخرى في دارفور او غيرها...
هل صارت إيران تبحث عن الالتفاف على العالم العربي بعدما عجزت عن تحقيق اختراق مباشر من خلال البحرين... ام ان الزيارتين رد على الجسور التي أقامها مجلس التعاون مع المغرب والاردن؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.