8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصر.. بعيداً عن الضجيج

بعيدا عن الحروب الإعلامية الدائرة حاليا والتي تثير ضجيجا يطغى على الواقع، يبدو ان اكثر ما تحتاج اليه مصر في هذه المرحلة هو فترة من الهدوء من جهة والابتعاد قدر الامكان عن اي مزايدات من ايّ نوع كان من جهة اخرى. تسمح فترة الهدوء في مناقشة كيفية الانتقال الى مرحلة جديدة تسود فيها دولة القانون، دولة مدنية تستعيد مصر بفضلها حياة سياسية طبيعية تستند الى الديموقراطية اوّلا واخيرا. هل في استطاعة مصر ان تكون مجددا دولة مؤسسات لا علاقة لها بالأجهزة الأمنية كي يمكن القول ان ثورة حقيقية، تعرف ماذا تريد، انتصرت... ام فات اوان ذلك ولم يعد مجال سوى لمزايدات وأعمال صبيانية مثل الهجوم الذي تعرضت له السفارة الاسرائيلية في القاهرة أخيراً.
حسنا، لنفترض ان السفارة الاسرائيلية أغلقت والعلاقات قطعت مع هذا البلد، ماذا سيحصل بعد ذلك؟ ماذا ستفعل الادارة الاميركية؟ ماذا سيكون رد فعل الدول الاوروبية على خطوة من هذا النوع؟ هل يمكن ترك الشارع يعالج قضية حساسة بخطورة العلاقات مع اسرائيل؟ هل هناك من فكّر مليا بان معاهدة السلام مع اسرائيل التي جاءت نتيجة توقيع اتفاقي كامب ديفيد في العام 1978 انما وضعت الاسس لاستعادة مصر سيناء، كل سيناء، بما في ذلك حقول النفط والغاز، من دون إطلاق رصاصة واحدة؟
لا بدّ من دراسة في العمق لكل الاحتمالات قبل اتخاذ اي خطوة تستهدف قطع العلاقات مع اسرائيل. هذا لا يعني من دون ادنى شك انه لا يحق لمصر إعادة النظر في علاقاتها بدولة ما، خصوصا باسرائيل. ولكن قبل الإقدام على اي خطوة من هذا النوع لا مفرّ من إعادة ترتيب الاوضاع الداخلية في البلد وتكريس الاستقرار. عندئذ فقط سيكون في استطاعة مصر اتخاذ قرارات كبيرة مثل البحث في مستقبل علاقتها بهذه الدولة او تلك، بما في ذلك اسرائيل.
لعلّ أخطر ما حصل بين مصر واسرائيل اخيرا ردّ الفعل على العملية التي نفّذتها مجموعة فلسطينية مسلحة قرب ايلات. انطلقت هذه المجموعة من غزة واستطاعت التسلل الى مشارف ايلات عن طريق الاراضي المصرية. قتل في العملية اسرائيليون. الى الان، ليس معروفا ما حلّ بالمهاجمين وهل استطاعوا العودة الى قواعدهم سالمين ام ان اسرائيل تعتقل عددا منهم من دون ان تعلن ذلك؟ ردت اسرائيل بقتل غير مبرر لجنود مصريين داخل الاراضي المصرية. من الواضح انها ارادت جس نبض السلطات المصرية واحراجها. وهذا ما حصل بالفعل اذ وجد في القاهرة من يهاجم مقر السفارة الاسرئيلية ويصل الى غرف تابعة لها في غياب الامن المصري الذي لم يتدخل الاّ بعد فوات الاوان. والثابت ان السلطات المختصة لم تلجأ الى ارسال قوة كبيرة لحماية السفارة الاّ نتيجة إلحاح اميركي سبقه اتصال من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بالرئيس باراك اوباما.
خلاصة الامر ان اسرائيل، التي فيها حاليا حكومة بيبي نتانياهو تبحث عن اعذار لتكريس احتلالها لجزء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. مثل هذه الحكومة تنظر بعين العطف الى كلّ ما من شأنه إظهار اسرائيل في مظهر الضحية، علما بانها تمارس ارهاب الدولة. هل يمكن وصف الاحتلال وحرمان شعب من ابسط حقوقه بغير ارهاب الدولة؟
ما فعله اولئك الذين هاجموا السفارة في القاهرة انما خدموا، من حيث لا يدرون، حكومة نتانياهو. بات في استطاعة هذه الحكومة تبرير رفضها لاي قرار تتخذه الجمعية العامة للامم المتحدة باقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967 بحجة ان العرب لا يحترمون التزاماتهم. اذا كانت مصر غير قادرة على حماية مقر السفارة الاسرائيلية التي وجدت في القاهرة نتيجة معاهدة سلام بين البلدين، كيف يمكن لدولة فلسطينية مستقلة احترام اي التزام من اي نوع كان، خصوصا في ظل حال الانقسام التي يعاني منها الفلسطينيون حاليا؟
ما حدث في القاهرة يسيء الى الفلسطينيين ايضا، خصوصا ان هؤلاء في حاجة اليوم اكثر من اي وقت الى سياسة مصرية متماسكة تدعم حملتهم الهادفة الى جعل فلسطين عضوا في الامم المتحدة. المؤسف اكثر من ذلك ان الهجوم على السفارة الاسرائيلية في القاهرة لا يساهم في إظهار السلطات المصرية في مظهر السلطات العاجزة فحسب، بل يلحق ضررا كبيرا بالعلاقات المصرية- الاميركية والمصرية- الاوروبية ايضا. من قال ان حكومة نتانياهو تعترض على تطور من هذا النوع في هذه الظروف بالذات؟
مرّة اخرى، من حق مصر إعادة النظر في علاقاتها مع اي دولة من الدول. ولكن يفترض ان يتمّ ذلك في ظروف طبيعية وليس في مرحلة انتقالية يمرّ بها اكبر بلد عربي. فمن اجل ان يكون لاي قرار تأثير ايجابي داخل مصر نفسها، من الطبيعي ان يتخذ هذا القرار من موقع قوة. مصر القوية هي مصر القادرة على إعادة بناء مؤسساتها على اسس سليمة وعلى إعادة الحياة الى اقتصادها. كلّ ما عدا ذلك سقوط في لعبة لا طائل منها اسمها لعبة المزايدات. أوليست المزايدات التي أوصلت مصر الى هزيمة 1967 مع ما عناه ذلك من سقوط للمشروع الناصري بكل حسناته وسيئاته؟
انها هزيمة لم يشف العالم العربي منها حتى اليوم!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00