لا يمكن التعويل كثيرا او حتى قليلا على زيارة رفع العتب التي قام بها الامين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي لدمشق. كان على الامين العام للجامعة الذهاب الى دمشق ففعل ذلك. ربما كان هناك جانب مفيد للزيارة يتمثل في انه قام بها بهدف التأكد من استحالة اصلاح النظام السوري وان كلّ كلام عن الاصلاح مضيعة للوقت ليس الاّ.
تعود الاستحالة الى سببين وجيهين على الاقلّ. السبب الاول مرتبط بالمعطيات العربية والاقليمية والدولية والاخر بتطور النظام نفسه وتحوله الى شركة ذات طابع عائلي تدير البلد بكل مرافقه. يتوزع افراد من العائلة، يشكلون مجلس الادارة في الشركة، المسؤوليات في ما بينهم. هناك حتى من يهتم بالعلاقات العامة وهناك بالطبع رئيس لمجلس الادارة هو الرئيس بشّار الاسد المشرف العام على الشركة وهناك مساعدون له ولاعضاء مجلس الادارة لا أكثر.
تولّى الرئيس الراحل حافظ الاسد السلطة، كل السلطة، في تشرين الثاني من العام 1970 بعد تنفيذه ما يسمّى الحركة التصحيحية. تردد في البداية قليلا في شغل موقع رئيس الدولة، لكنه ما لبث ان فعل ذلك واصبح اوّل علوي رئيسا للجمهورية العربية السورية. بقي الزعيم الاوحد لسوريا اقل بقليل من ثلاثة عقود قبل ان يخلفه نجله الدكتور بشّار ولكن بعدما تحوّل النظام الى شبكة من المصالح العائلية اوّلا واخيرا تقوم على مجموعة من الاجهزة الامنية المرتبطة بمجلس الادارة في الشركة.
استطاع حافظ الاسد اللعب على كل التناقضات العربية والدولية مستفيدا من الحرب الباردة والتنافس الاميركي- السوفياتي على مواقع النفوذ في الشرق الاوسط. كان همّه الاول والاخيرتحويل سوريا لاعبا اقليميا بعدما حسم الصراع داخل سوريا نفسها. لم يأبه يوما بالمشاكل الداخلية لسوريا ولم يسع يوما الى إيجاد حلول لها. لم يكن يدرك أهمية مستوى البرامج التعليمية ولا أهمية القاعدة الاقتصادية القوية ولا خطورة النمو السكاني في البلدان الفقيرة ولا معنى غزو القرية للمدينة. باختصار شديد، لم يدرك يوما أهمية الانسان السوري. وظف دائما الحاجة العربية اليه ليكون عنصر توازن مع ما كان يسمّى البعث العراقي الذي راح يسيطر عليه تدريجا صدّام حسين، رجل كل الحماقات والقرارات المتسرعة والخاطئة.
ارتدى العداء بين صدّام والاسد الاب طابعا شخصيا. عمليا لم يكن هناك ما يميّز بين نهجي النظامين اللذين كانا يتكلان قبل اي شيء آخر على الاجهزة الامنية. بلغ التشابه بين النظامين، خصوصا بعد خلافة صدّام لاحمد حسن البكر في الرئاسة في العام 1979 ان كلا منهما راح يتجه اكثر فاكثر الى العائلية. وفي مرحلة معينة، اصبح التخلص من الاخوة ضرورة تصب في مصلحة الاولاد. وهكذا طار رفعت الاسد لمصلحة باسل حافظ الاسد وارسل صدّام اخاه برزان التكريتي وشقيقيه سبعاوي ووطبان الى بيوتهم لمصلحة نجليه عديّ وقصيّ. قبل ذلك، اتّكل صدّام، في ما يشبه المرحلة الانتقالية، على صهره حسين كامل المتزوج من ابنته البكر وعلى ابن عمّه علي حسن المجيد كي يكرّس إبعاد برزان وشقيقيه عن مواقع القرار تمهيدا لتوريث عديّ او قصيّ في الوقت المناسب... الذي لم يأت ابدا.
اتقن حافظ الاسد اللعبة الاقليمية. استعان، حليف الاتحاد السوفياتي، بالاميركيين لدخول لبنان عسكريا بـضوء اخضر اسرائيلي بحجة الحاجة الى وضع اليد على قوات منظمة التحرير الفلسطينية. قبل بما يسمّى الخطوط الحمر الاسرائيلية التي امنت بقاء المسلحين الفلسطينيين في جنوب لبنان، حتى العام 1982، وأغلق جبهة الجولان وأقام علاقات متميّزة مع النظام الثوري الجديد في طهران ابتداء من العام 1979. فكّر حتى بأهمية إيجاد توازن مع العرب الآخرين عن طريق المحافظة على العلاقة بين دمشق وطهران وتعميقها كي لا يكون تحت رحمة الدول العربية الخليجية في اي وقت. وهذا ما يفسّر الى حدّ كبير ايضا العلاقة المتميزة التي ربطت باستمرار بين النظام السوري ونظام العقيد معمّر القذافي.
توّج حافظ الاسد اتقانه للعبة الاقليمية والدولية بانضمامه الى التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الذي أخرج صدّام حسين من الكويت. مكنه ذلك من البقاء عسكريا وأمنيا في لبنان. لكن كل العبقرية التي امتلكها الرئيس السوري الراحل الذي لم يتردد يوما في إلغاء خصومه، متى شعر بالحاجة الى ذلك، توقفت عند خطأ التوريث. لم يأخذ علما في السنوات الخمس الاخيرة من حياته، خصوصا بعد فقدانه نجله الاكبر باسل في حادث سيارة، بأن المنطقة تغيّرت وان سوريا التي حكمها وحيدا منذ العام 1970 لم تعد تنفع معها ومع مشاكلها الهروب المستمر الى خارج الحدود. لبنان نفسه صار مع الوقت ورقة ايرانية اكثر مما هو ورقة سورية. اما الخليج، فلم يعد يخجل من ان يطرح على حاكم سوريا سؤالا صريحا في شأن العلاقة المريبة القائمة بين دمشق وطهران، خصوصا في ضوء التغلغل الايراني في العراق.
بين التغيرات التي شهدتها المنطقة والعالم والتحولات داخل النظام السوري، لم يعد في السنة 2011 معنى لاي اصلاحات. الإصلاحات صارت تعني فقط البحث عن خروج من السلطة والانتقال الى مؤسسات الدولة بديلا من مجلس الادارة ذي الطبع العائلي. هل سمع احدنا باصلاحات انقذت اي نظام في اوروبا الشرقية. هل تختلف سوريا اليوم في شيء عن دولة من دول اوروبا الشرقية في مرحلة ما قبل سقوط جدار برلين؟
سقط جدار برلين وانتصرت برلين الغربية على برلين الشرقية. هذا ما يقوله التاريخ الحديث الذي عمره اثنين وعشرين عاما!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.