بعد أيّام تمرّ عشر سنوات على كارثة الحادي عشر من أيلول- سبتمبر 2001. استطاع إرهابي اسمه أسامة بن لادن تغيير خريطة الشرق الأوسط بعدما شوّه صورة الإسلام والمسلمين والعرب في العالم. إضافة الى ذلك، غيّر قوانين كثيرة كان معمولاً بها بين الدول، بل يمكن القول إن كلّ ما له علاقة بالسفر والإجراءات الأمنية المتخذة في مطارات العالم تبدّل على نحو جذري بعد ما سمّي غزوة نيويورك وواشنطن.
قبل مرور الذكرى العاشرة على الكارثة، استطاع الأميركيون قتل بن لادن بعدما وجدوه مختبئاً في الأراضي الباكستانية ليس بعيداً عن بيوت لكبار المسؤولين الأمنيين في هذا البلد!
تخلص الأميركيون والعالم من بن لادن ولكن لا تزال تواجههم مشكلة ضخمة تتمثل في باكستان نفسها التي لا تزال تؤوي عناصر من القاعدة كشف مسؤولون أميركيون أخيراً أنهم يحظون أيضاً بنوع من الرعاية الإيرانية، نعم الإيرانية، فضلاً عن أن التظيم الإرهابي المذكور لا يزال يمتلك قواعد في أفغانستان. وهذا يعني في طبيعة الحال أن التخلص من بن لادن لم يحل مشكلة التطرف بمقدار ما كشف أن جذورها ليست مرتبطة برجل واحد مريض لا يؤمن سوى بالإرهاب وسيلة لتغيير العالم وتحقيق مآربه.
عملياً، غيّر بن لادن العالم. أهمّ ما تغيّر كان الشرق الأوسط بعدما اجتاح الأميركيون وحلفاؤهم أفغانستان بهدف إخراج طالبان من السلطة ومن كابول بالذات وتنظيف البلد من القاعدة. من الواضح أن الهدف الأميركي لم يتحقق بدليل أن الحرب الأفغانية مستمرة. هناك جنود أميركيون وآخرون من دول الحلف الأطلسي يُقتلون كل يوم. وفي السنة 2011، صار مطروحاً أكثر من أي وقت ايجاد صيغة تفاهم مع طالبان تمهيداً للانسحاب العسكري من أفغانستان يوماً ما. من الواضح أن الحرب على أفغانستان كانت حرباً خاسرة وأن اغتيال اسامة بن لادن لم يقدم أو يؤخر في كلّ ما له علاقة بسير العمليات العسكرية. فشل الأميركيون في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين حيث فشل قبلهم الاتحاد السوفياتي في عقد الثمانينات من القرن الماضي...
كان في استطاعة الأميركيين التركيز بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 على أفغانستان وباكستان بصفة كونها الحديقة الخلفية لـطالبان لأسباب عقائدية وقبلية في الوقت ذاته. لسبب لا يزال مجهولاً انتقلوا الى العراق قبل أن تنتهي مهمتهم الأفغانية- الباكستانية. الى الآن لا يزال السؤال المحيّر: لماذا ذهاب الأميركيين الى العراق قبل انتهاء المهمة الأفغانية- الباكستانية؟ لماذا خوض حربين كبيرتين وصعبتين في الوقت ذاته؟ لماذا إعطاء العراق لإيران على صحن من فضة؟
من الصعب ايجاد جواب واضح على هذا السؤال. الأمر الأكيد أن حربي أفغانستان والعراق صبتا في خدمة إيران التي تخلصت من خصمين تاريخيين هما طالبان وصدّام حسين الذي أدخل العراق في مغامرات أقلّ ما يمكن أن توصف به أنها مجنونة وبقي يتصرّف حتى اللحظة التي سبقت بدء الحرب الأميركية من منطلق أن هذه الحرب مستبعدة. ما هو أكيد أيضاً أن صدّام حسين وبعده ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، كانا ضحية أسامة بن لادن في ضوء عدم استيعابهما معنى إعلان إدارة جورج بوش الابن الحرب على الإرهاب. وفّّر صدّام كل المبررات التي سهّلت على الإدارة الأميركية فبركة الأكاذيب التي مكنتها من شن الحرب على العراق. أما أبو عمّار، فقد خانه في تلك المرحلة ذكاؤه ولم يدرك أنه كان عليه وضع حد سريع لأيّ عسكرة للانتفاضة الفلسطينية بوجود إدارة في واشنطن قسّمت العالم الى فسطاطين على غرار ما فعله أسامة بن لادن.
في حال كان مطلوباً إجراء جردة للسنوات العشر الأخيرة التي تفصل عن الحادي عشر من أيلول 2001، يمكن القول إن تفاعلات الزلزال العراقي لا تزال في بدايتها. بدأ يتكون شرق أوسط جديد في ظلّ توازنات مختلفة كلياً عن تلك التي عرفناها في الماضي. صحيح أن إيران خرجت رابحة من الحرب على العراق بعدما لعبت دور الحليف الاقليمي لإدارة بوش الابن في تلك الحرب، لكن الصحيح أيضاً أن هناك بروزاً للدور التركي على الصعيد الاقليمي.
في أيلول 2011، لا يزال مستقبل العراق على المحك. هل يبقى موحداً في المدى الطويل؟ الى أيّ حدّ ستكون هناك سيطرة إيرانية، عبر الميليشيات المذهبية المسلّحة، على العراق في السنوات المقبلة، خصوصاً بعد انسحاب القوات الأميركية من هذا البلد المهم من كل النواحي.
في أيلول 2011 نكتشف الى أي حدّ أساء اسامة بن لادن الى القضية الفلسطينية التي تراجع موقعها الاقليمي على حساب ما هو أهم من ذلك بكثير، أي الهجمة الإيرانية على المنطقة بكل ما تحمله من إثارة للغرائز المذهبية التي خرجت من عقالها. شئنا أم أبينا، لا مفر من هذا الواقع المؤسف الذي لا يخدم سوى إسرائيل. وهذا ما يدعو الى طرح السؤال- اللغز المحيّر الذي سبق طرحه: لماذا الذهاب الأميركي الى العراق قبل الانتهاء من المهمة في أفغانستان وباكستان. الى الآن، لا يزال السؤال من دون جواب ولكن لدى التمعن جيداً بمسلسل الأحداث التي توالت والتي طال بعضها لبنان، لا يعود مستبعداً أن يكون الأميركيون نفذوا غزوتهم للعراق رداً على غزوة واشنطن ونيويورك استناداً الى أجندة إسرائيلية. من قال إن نظرية المؤامرة يجب أن تستبعد كلّياً وأوتوماتيكياً في كل الحالات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالانتقال من أفغانستان الى العراق في غياب أي ارتباط بين نظام صدّام والقاعدة؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.