8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الفارق بين معمّر القذافي وبشار الأسد

لكل شيء نهاية. الاتحاد السوفياتي، بكل جبروته وما امتلك من قوة ومن امكانات جعلت منه قوة عظمى حقيقية تفوقت في مرحلة معينة على الولايات المتحدة في المنافسة على غزو الفضاء، انتهى في غضون اربعة وسبعين عاما. في العام 1991، انهارت الامبراطورية السوفياتية وعادت كل جمهورية من جمهورياته الى الاهتمام بشؤونها. حلّت روسيا باقتصادها الحرّ مكان الاتحاد السوفياتي المنادي بالماركسة - اللينينية وشعاراتها الطوباوية التي لا علاقة لها بالواقع. الآهمّ من ذلك ان دول اوروبا الشرقية التي كانت تدور في الفلك السوفياتي استعادت حريتها. لم يستغرق الامر اكثر من خمسة وثلاثين عاما حتى عادت مجموعة من الدول الاوروبية الى كنف كلّ ما هو حضاري في هذا العالم بعيدا عن الشعارات الكاذبة التي تستخدم فقط لتغطية تسلط الحكام والاجهزة الامنية من جهة والتبعية لموسكو من جهة اخرى.
لا شيء يحفظ الانظمة والدول غير الديموقراطية. انّها مخرج للحكام والشعوب في الوقت ذاته. هذا يسري حتى على الانظمة الملكية التي تمكنت في معظمها من التكيف مع المعطيات العالمية الجديدة. الديموقراطية مخرج للحكام لانها توفّر عليهم النهايات البائسة، حتى لو نجحوا في التوريث. اما بالنسبة الى الشعوب، تظلّ الديموقراطية متنفسا لها يغنيها عن الدم والعنف ويجعلها قادرة على التخلص من الحاكم عن طريق الانتخابات...
اذا اخذنا في الاعتبار ان الاتحاد السوفياتي احتاج الى اربعة وسبعين عاما كي ينهار وانه استهلك بين 1917 و1991 سبعة زعماء هم على التوالي: لينين وستالين وخروتشوف وبريجنيف واندروبوف وتشيرنينكو وغورباتشوف، نجد ان النظامين في ليبيا وسوريا حققا انجازا بكلّ ما للكلمة من معنى. عاش النظام الليبي ما يزيد على نصف ما عاشه الاتحاد السوفياتي في ظلّ زعيم واحد اوحد اسمه معمّر القذّافي لم يحتج حتى الى حزب يغطي تصرفاته ونزواته. تحكّم بمصائر الليبين وكلّ ما يمسّ حياتهم اليومية طوال اثنين واربعين عاما، من دون حسيب او رقيب. لم تنفع حتى المحاولات الاصلاحية التي سعى اليها نجله سيف الاسلام. انتهى سيف للاسف الشديد ضحية والده، على الرغم من انه كان يمتلك حدا ادنى من المعرفة بما يدور في العالم المتحضر...
اما النظام السوري، فهو قائم منذ واحد واربعين عاما ولم يستهلك سوى زعيمين. واذا كان النظام الليبي احتاج الى اختراع شيء اسمه الجماهيرية كي يبرر القذّافي بعض تصرفاته، فانّ عدّة الشغل لدى النظام السوري كانت جاهزة واسمها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تحّول بقدرة قادر الى غطاء لحكم العائلة التي تحكّمت بارواح الناس وارزاقهم وراحت تحصي انفاسهم.
مثله مثل النظام الليبي، كان النظام السوري في حال هروب دائمة الى امام. القذافي ذهب الى تشاد وايرلندا والفيليبين وفي مرحلة معينة كان يدعم جبهة بوليساريو ومنظمات فلسطينية كلّ همها الاوحد تدمير ما تستطيع من لبنان. لعلّ ابرز مثل على ذلك الجبهة الشعبية- القيادة العامة التي بقيت لفترة طويلة محسوبة على ليبيا - القذّلفي وكان همها في العامين 1976 و1977 تدمير كل فندق من فنادق منطقة الزيتونة في بيروت. ليس مفهوما حتى اليوم لماذا عمد القذّافي الى خطف رئيس المجلس الاسلامي الشيعي في لبنان السيد موسى الصدر ورفيقيه في مثل هذه الايام من العام 1978 ؟ الامر الوحيد الثابت انه لم تصدر يوما ادانة رسمية سورية لهذا العمل. النظام السوري اهتم بكلّ ما في المنطقة باستثناء الداخل السوري، اي هموم المواطن العادي. لا يزال يعتقد ان تدخله السافر في شؤون لبنان شريان الحياة بالنسبة اليه!
ما لم يدركه النظامان الليبي والسوري في العام 2011 ان ليس في الامكان استغباء الشعب الى ما لا نهاية. ادرك الشعبان السوري والليبي ذلك. استوعبا على خلاف الحكام ان هناك ما تغيّر في هذا العالم. لولا انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، لما كان في استطاعة الولايات المتحدة غزو العراق في العام 2003 وارسال الجيش الاميركي الى بغداد لاسقاط نظام شبيه الى حد كبير بالنظامين الليبي والسوري.
بالطبع ليست كل النهايات حزينة، بالضرورة، على طريقة نهاية صدّام حسين او تلك التي تنتظر معمّر القذّافي. لا يزال في استطاعة النظام السوري البحث عن مخرج يضمن عملية انتقال ذات طابع سلمي للسلطة. المهم ان يستوعب قادة النظام ان العنف لا يمكن ان يحلّ اي مشكلة وانه حين يعتدى بالضرب على رسام الكاريكاتير علي فرزات بسبب وقوفه مع الثورة الشعبية، سيزداد حقد السوريين على النظام وسيشعر كلّ منهم انه علي فرزات.
تكمن عظمة ميخائيل غورباتشوف في انه ادرك في مرحلة معينة ان ليس في استطاعته اصلاح النظام. خرج من السلطة وعاش كمواطن عادي يجول العالم بعدما صنع التاريخ على طريقته. اثبت انه ليس اسير النظام الذي اوصله الى زعامة الاتحاد السوفياتي. مشكلة معظم الحكّام العرب انهم لا يريدون الاعتراف بانّ العالم تغيّر وان الانظمة التي صنعوها، كما في ليبيا، او التي صُنعت لهم كما الحال في سوريا، غير قابلة للاصلاح. ربما كان الفارق بين معمّر القذافي وبشار الاسد في ان الاول تحول اسيرا لنظام من صنعه، فيما الآخر اسير نظام لم تكن لديه اي يد في رؤيته النور وقد شاءت الاقدار ان يكون على رأسه...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00