8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الرسالة الفرنسية .. وقراءة الـ1701

فهمنا ان معظم العرب واللبنانيين لا يقرأون. ما لا يمكن فهمه انهم دخلوا حديثا في ما هو اسوأ من ذلك. دخلوا مرحلة رفض الاعتراف بالواقع، بل الهرب منه.
العرب لا يقرأون. بهذه العبارة فسّر موشي دايان وزير الدفاع الاسرائيلي، وقتذاك، الهزيمة العربية في حرب حزيران 1967. لو كان العرب يقرأون لكانوا توقعوا الهجوم الاسرائيلي الذي نشرت خطته في غير مكان قبل نشوب الحرب باشهر عدة. اعتبر دايان، الذي بقي في السياسة فترة طويلة وكان وزيرا للخارجية في حكومة مناحيم بيغن التي توصلت الى توقيع اتفاقي كامب ديفيد مع مصر في ايلول من العام 1978، ان من حسن حظ اسرائيل ان العرب لا يقرأون. لو كانوا يقرأون لما استطاعت اسرائيل احتلال الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وسيناء وهضبة الجولان بسهولة في غضون ستة ايام.
المؤسف ان العرب، بمن فيهم اللبنانيون، يمارسون في العام 2011 ما هو اخطر من عدم القراءة. انهم يتجاهلون الواقع. ان تجاهل الواقع يجعل من السهل على كثيرين الكلام عن انتصار على اسرائيل في حرب صيف العام 2006. كان لبنان مسرح تلك الحرب التي بدأت باسر حزب الله جنديين اسرائيليين بعد اختراق مقاتليه لما يسمّى الخط الازرق وهو عمليا خط الحدود الموقت بين لبنان واسرائيل باعتراف الامم المتحدة. وتعترف الامم المتحدة رسميا، عن طريق مجلس الامن ان اسرائيل نفّذت القرار 425 وهو ما وافق عليه لبنان في حينه على اعلى المستويات.
ما حصل عمليا ان مقاتلي حزب الله صمدوا في وجه العدوان الاسرائيلي الذي جاء بعد خطف الجنديين. كبد مقاتلو الحزب الاسرائيليين خسائر كبيرة. لا يمكن الاّ الانحناء امام بطولات هؤلاء المقاتلين وتضحياتهم. ولكن يبقى السؤال ماذا كانت نتيجة الحرب التي خاضتها اسرائيل برئيس للأركان كان قائدا لسلاح الجو ووزير للدفاع كان زعيما نقابيا لا علاقة له من قريب او بعيد بالحروب والخطط العسكرية؟
اذا وضعنا جانبا الخسائر الضخمة التي لحقت بالبنية التحتية اللبنانية وعدد الشهداء والجرحى بين المدنيين اللبنانيين، نجد ان النتيجة لم تكن انتصارا لبنانيا. امتلك الاسرائيليون ما يكفي من الشجاعة لتشكيل لجنة تحقيق اصدرت تقريرا اعترف بالتقصير والقصور لدى القيادتين السياسية والعسكرية. اما في لبنان، فلم يكن حديث سوى عن انتصار اعلنه حزب الله بعدما وقف على اشلاء البلد. كان بالفعل انتصارا لـحزب الله على لبنان في سياق الحملة الهادفة الى وضع اليد على الوطن الصغير من جهة وتغطية جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الاخرى من جهة اخرى. كانت الحرب مفتعلة. وقد انتهت الحرب بصدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الامن.
هل هناك من يريد قراءة نص القرار للتأكد من ان لبنان لم يخرج منتصرا من حرب صيف العام 2006 وان كل ما في الامر ان المجتمع الدولي اراد حماية البلد عن طريق القرار 1701؟ جاء تعزيز القوة الدولية وابعاد مسلحي حزب اللهعن منطقة عملياتها ومنع تهريب الاسلحة من سوريا الى الاراضي اللبنانية لضمان الاستقرار في المنطقة. اراد المجتمع الدولي سحب ورقة جنوب لبنان من المحور الايراني- السوري الذي يشكّل حزب الله اداة له وذلك حماية للبنان فقط ولأهل الجنوب تحديدا الذين عانوا من السلاح غير الشرعي منذ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 وتخلي السلطة اللبنانية عن سيادتها على جزء من اراضيها.
من الواضح الآن ان هناك رغبة لدى حزب الله في تاكيد ان القوة الدولية المعزّزة في جنوب لبنان رهينة لديه. ليس سرّا ان جنودا من فرنسا وايطاليا واسبانيا يشكلون العمود الفقري لهذه القوة الدولية. وليس سرّا ايضا ان الدول الاوروبية الثلاث اخذت علما بنيات حزب الله. ولذلك بعث الرئيس نيكولا ساركوزي برسالتين الى الرئيس ميشال سليمان ونجيب ميقاتي يحذّر فيهما من سحب الوحدة الفرنسية من جنوب لبنان في حال تعرّضها لاي اعتداء جديد. وهذا سيجعل لبنان مكشوفا امام اسرائيل وآلتها العسكرية وارهاب الدولة الذي تمارسه...
يفترض في حزب الله استيعاب ان تهديد القوة الدولية في جنوب لبنان لا يفيد النظام السوري في شيء. القوة الدولية في خدمة لبنان والقرار 1701 يعكس موازين القوى على الارض صيف العام 2006. كان يمكن لنص القرار 1701 ان يكون اسوأ لولا حكومة فؤاد السنيورة، حكومة المقاومة السياسية بشهادة الذين راحوا يعترضون عليها بعد ذلك... ولولا جهود العضو العربي في مجلس الامن، وقتذاك، اي دولة قطر.
هل يستوعب حزب الله معنى الرسالة الفرنسية ويعتبر ان حماية القوة الدولية حماية للبنان اوّلا، ام يتصرّف من منطلق ان الاولوية لحماية النظام السوري غير آبه بأنّ مشكلة هذا النظام مع شعبه اوّلا وان اعادة فتح جبهة جنوب لبنان لا تفيده في شيء؟ انه لعب باوراق اكل الدهر عليها وشرب، وذلك على حساب لبنان وشعبه. انها ألاعيب لا يمارسها سوى رافضي الاعتراف بالواقع... الهاربين باستمرار منه. انها ألاعيب يمارسها اولئك الذين لم يستوعبوا يوما ان القرار 1701 يحمي لبنان من سلاح حزب الله ومن اسرائيل في الوقت ذاته وان قرارات الشرعية الدولية كلّ لا يتجزّأ. لن يستطيع لبنان المطالبة يوما بحقوقه في مياهه الاقليمية التي تحوي النفط والغاز اذا لم يحترم القرار 1701. ذلك هو مضمون الرسالة الفرنسية التي لا بدّ من التوقف عندها والتي تفرض قراءة نص القرار مجددا والتعاطي معه كجزء من الواقع لا اكثر...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00