8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تقسيم السودان ليس حدثاً عابراً

ماذا بعد قيام دولة جديدة في المنطقة نتيجة تقسيم السودان؟ هل تلك ظاهرة صحية؟ هل تستطيع الدولة الجديدة تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها الذين عانوا من الحروب والقهر والقمع طويلاً؟ هل هي دولة قابلة للحياة؟ إنها أسئلة تطرح نفسها بقوة هذه الأيام ولكن ماذا عن الانعكاسات الاقليمية لتقسيم السودان؟ هل إن ذلك بداية لإعادة رسم بالمبضع لخريطة العالم العربي... أم أنه مجرد ناقوس خطر سيجعل العرب يستوعبون مخاطر المرحلة الجديدة التي دخلها الشرق الأوسط، اي مرحلة بدء تقسيم الدول؟
بدأ كل شيء بالزلزال العراقي الذي قلب المعادلة السياسية في المنطقة رأسا على عقب. يبدو أنه جاء الآن دور إعادة النظر في الخريطة الجغرافية انطلاقاً من السودان أكبر الدول الافريقية مساحة، قبل تقسيمه الى دولتين طبعاً.
الأكيد أن قيام جمهورية جنوب السودان ليس حدثاً عابراً. هناك للمرة الأولى إعادة نظر في الخريطة الجغرافية للشرق الأوسط منذ حصول دوله العربية على استقلالها على مراحل منذ الأربعينات من القرن الماضي وصولاً الى السبعينات عندما انسحبت بريطانيا نهائياً من منطقة الخليج العربي.
من ايجابيات الحدث السوداني مسارعة الخرطوم الى الاعتراف بالدولة الجديدة. تلا ذلك حضور الرئيس عمر حسن البشير الاحتفال الذي شهدته جوبا، عاصمة الدولة الجديدة، وتخلله الإعلان رسمياً عن قيام جمهورية جنوب السودان ورفع علمها. كان تصرف الرئيس السوداني حكيماً وشجاعاً في آن. وقد اتبعه بالتوجه بعد أيام الى الدوحة لحضور توقيع اتفاق بشأن دارفور رعته قطر. يتعامل البشير مع الواقع كما هو بعيداً عن الأوهام. ربما كان يفعل ذلك بهدف انقاذ ما يمكن انقاذه ووضع حدّ لعملية تفتيت السودان. ربما كان يتصرّف أيضاً من منطلق شخصي بحت عائد الى أنه ملاحق من المحكمة الجنائية الدولية وهو على استعداد للقيام بكل شيء من أجل إنقاذ نظامه والبقاء رئيساً. وحدها الأيام ستكشف هل رهانات البشير في محلها وهل هناك من هو على استعداد للدخول معه في صفقات من نوع ما؟ بكلام أوضح، هل يكفي القبول بتقسيم السودان ومباركة قيام الدولة الجديدة والاستعداد لتفادي اللجوء الى القوة لحل مشكلة أبيي الغنية بالنفط وإبداء الرغبة في التوصل الى حلول في دارفور، كي يقبل المجتمع الدولي بالبشير رئيساً للسودان الى إشعار آخر؟
في كلّ الأحوال، إن ما نشهده حالياً في المنطقة العربية يمكن أن يكون نتيجة طبيعية لعاملين أساسيين ساهما معاً في وصول الشرق الأوسط الى ما وصل اليه. يتمثل العامل الأوّل في فشل معظم الأنظمة العربية القائمة، على رأسها الأنظمة التي تسمّي نفسها جمهوريات، في ايجاد وسيلة للتعاطي مع الشعوب، خصوصاً مع الأقليات. أما العامل الثاني فهو الزلزال العراقي الذي حصل في العام 2003.
لدى الحديث عن العامل الأوّل، لا يمكن الفصل بين تقسيم السودان من جهة والقمع الذي تعرّض له سكان الجنوب من جهة أخرى. كان الجنوبي، منذ الاستقلال في العام 1956، مواطناً من الدرجة الثانية باستمرار. ومن أتيحت له زيارة جوبا يدرك بالملموس معنى كلمة الإهمال بكل ما للإهمال من أبعاد ومعنى، بما في ذلك العناية الصحية وحتى تعبيد الطرق. كان كلّ همّ الأنظمة الجمهورية العربية، باستثناء لبنان الذي لا حول له ولا قوّة، محصوراً بايجاد الوسائل الكفيلة بالمحافظة على النظام القائم، وهو نظام فردي ديكتاتوري، وايجاد طريقة تضمن للرئيس توريث ابنه أو زوجته، كما حصل في تونس مثلاً، أو الأخ كما يحصل حالياً في أحد بلدان شمال افريقيا!
طغى همّ التوريث على كل ما عداه، خصوصاً بعد النجاح الذي حققه الرئيس الراحل حافظ الأسد بالاتيان بنجله بشّار الى الرئاسة. جنت التجربة السورية على مصر وحتى على ليبيا. يدفع الرئيس حسني مبارك حالياً ثمن اعتقاده في مرحلة معينة، بضغط من زوجته وتشجيع من المنافقين في الحاشية، أنه سيكون قادراً على الإتيان بنجله جمال رئيساً.
كانت المصالحة مع الشعب غير واردة. كان الحاكم العربي يعتبر نفسه في مكان آخر معزول تماماً عن الشعب. كان هذا الحاكم يستمد شعبيته وشرعيته من الأجهزة الأمنية. ولذلك كان طبيعياً أن يحصل هذا الفصام بين الحكام والشعوب الذي كان تقسيم السودان إحدى نتائجه. لم يرضخ البشير للتقسيم إلاّ بعدما أدرك أن الرضوخ لهذا الواقع يشكل الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامه للبقاء في السلطة مستقبلاً!
ساعد الزلزال العراقي في التمهيد للمشهد العربي الراهن والتهيئة له. لم تؤدِ الحرب الأميركية على العراق الى إسقاط النظام العائلي- البعثي الذي أقامه صدّام حسين فحسب، بل غيّرت أيضاً كل التوازنات القائمة في الشرق الأوسط منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وتشكيل الخريطة الحالية للمنطقة. كان العراق الذي عرفناه ركيزة من ركائز الشرق الأوسط. انهارت هذه الركيزة. من هذا المنطلق، أي في ضوء غياب الثقة بين الحكام والشعوب، حتى لا نقول احتقار الحكام للشعوب، وحال فقدان التوازن التي دخلها الشرق الأوسط، يخشى أن يكون تقسيم السودان مجرد بداية. إنها منطقة تتغيّر. ما شهدناه حتى الآن ليس سوى الجانب الظاهر من جبل الجليد لا أكثر. من كان يتصوّر أن الأحداث ستتسارع بهذا الشكل في الشرق الأوسط وأن الهياكل التي بنتها الأنظمة القمعية ستنهار على رؤوس أصحابها هي وشعارات المقاومة والممانعة التي لم تكن يوماً سوى وسيلة لاذلال المواطن العربي ومصادرة قراره وحريته وحقه في العيش الكريم...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00