هل يستطيع النظام السوري عبر فرض تشكيل حكومة لبنانية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي انقاذ نفسه؟ يبدو ان النظام السوري مقتنع بذلك، بل مقتنع بانّه قادر على تجاوز الازمة العميقة التي يعاني منها عن طريق متابعة ممارسته لعملية الهروب الى امام من جهة وممارسة القمع من جهة اخرى. لو لم يكن الامر كذلك لما مارس كل هذه الضغوط منذ ما يزيد على ستة اشهر من اجل اخراج الرئيس سعد الحريري من السراي وكأن خروج نجل الشهيد رفيق الحريري من موقع رئيس مجلس الوزراء يشكل خشبة الخلاص لنظام لا يريد الاعتراف بأنه فقد شرعيته في سوريا اوّلا نظرا الى انه لم يكن قادرا في ايّ يوم على تلبية اي مطلب للمواطنين السوريين الطامحين الى حدّ ادنى من الحرية والكرامة والعيش الكريم قبل اي شيء آخر...
كان يمكن لحسابات النظام السوري ان تكون في محلها لولا انه كان لا يزال قادرا على تشكيل حكومة في لبنان من دون سلاح ميليشيا حزب الله الايراني. اضطر النظام السوري الى الاستعانة بسلاح هذا الحزب مرة اخرى ليفرض مثل هذه الحكومة على اللبنانيين. لو أعاد النظام السوري حساباته بشكل جيّد وفي العمق لاكتشف ان تشكيل الحكومة بالطريقة التي تشكلت بها لا ينفعه بشيء باستثناء انه يؤكد انه لا يريد التعلم من تجارب الماضي القريب ومن الازمة التي غرق فيها. باختصار شديد، لا يريد هذا النظام الاعتراف بان عليه الاهتمام بالشأن الداخلي السوري، هذا اذا كان لا يزال لديه مجال لذلك.
الاهمّ من ذلك كلّه ان هذا النظام يرفض الاعتراف بانه صار تحت رحمة النظام الايراني اكثر من اي وقت وان هذا دليل ضعف وليس دليل قوة في اي شكل. ربما كان النظام الايراني يلوح للنظام السوري بانه يمكن ان يأتي له بالترياق من بوابة العراق وان هناك توازنات جديدة في المنطقة بعد الانسحاب العسكري الاميركي من هذا البلد المهم وانه الجهة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي سينجم عن خروج الاميركيين من الاراضي العراقية. أوليست ايران المنتصر الاوّل من الاجتياح الاميركي للعراق؟ كان احد نوّاب حزب الله واضحا في ذلك عندما تحدث في سياق احدى جلسات الثقة بالحكومة عن لبنان بصفة كونه جزءا لا يتجزأ من المحور الايراني- السوري وامتداد له!
لم يقل طبعا ما يفترض به قوله بصراحة اكبر. لو اعتمد الصراحة لقال ان لبنان مجرد ساحة بالنسبة الى ايران وان بيروت ليست سوى ميناء ايراني على البحر المتوسط وان في استطاعة طهران ان تشكل الحكومة اللبنانية التي تشاء خدمة للنظام السوري في انتظار إحكام النظام الايراني سيطرته على العراق... بما يمكنه من التفاوض من موقع قوة مع الولايات المتحدة وحتى مع اسرائيل، على ان يكون ضمان مستقبل النظام السوري بشكله الحالي جزءا من هذه المفاوضات. هل هو رهان سوري في محله؟ الكثير يعتمد على ما اذا كان الوقت سيسمح لطهران بممارسة هذه اللعبة غير المضمونة. في النهاية، يبدو الوضع في غير مصلحة النظام السوري الذي يواجه ثورة شعبية لا مثيل لها منذ الاستقلال. اكثر من ذلك، ليس لدى النظام في دمشق اي جواب عن اي سؤال يطرحه عليه المواطنون باستثناء القمع.
ما تشهده سوريا اهم بكثير من جلسات مجلس النواب اللبناني حيث لا يزال هناك من يعتقد ان عليه الرد بقسوة وحتى بكلام بذيء على كل من يتناول القمع الذي يمارسه النظام فيها في حق المواطن العادي. هناك نوّاب لبنانيون تابعون للنظام السوري يعتقدون ان هناك في دمشق من سيحاسبهم على بقائهم مكتوفين لدى الكلام عن حقيقة ما يدور على الاراضي السورية. هؤلاء النواب مثلهم مثل نوّاب حزب الله وقيادييه وتوابع الحزب يعيشون خارج الزمن. لذلك لا يمكن توجيه اي لوم لهم على تصرفاتهم المضحكة- المبكية التي لا علاقة لها بكل ما هو حضاري في هذا العالم. انهم يراهنون على الاوهام من بينها وهم القدرة على إبقاء لبنان اسير المحور الايراني- السوري الى ما لا نهاية. ينسى هؤلاء ان التوازنات في المنطقة لا تقررها لا ايران ولا سوريا، حيث نظامان مريضان، وان حكومة لبنانية يشكلها حزب الله وملحقاته على شكل تلك الاداة لدى الادوات التي اسمها النائب المسيحي ميشال عون لا تقدم ولا تؤخر. كل ما تستطيع هذه الحكومة عمله هو توعية بعض اللبنانيين، الذين ما زالوا يعانون من قصر النظر، الى خطورة السلاح الميليشيوي الذي في يد حزب مذهبي على مستقبل بلدهم وابنائهم.
اضافة الى ذلك، يعطي تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة فكرة عن مدى الاستعداد الايراني- السوري للدخول في مواجهة مع المحكمة الدولية التي يبدو انها ستكشف من يقف وراء الجرائم التي ذهب ضحيتها اللبنانيون الشرفاء من الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، على رأسهم باسل فليحان وصولا الى الرائد وسام عيد. من قال ان لا فائدة من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كشفت اوّل ما كشفت ضعف النظام السوري وعجزه عن القيام باي نقلة نوعية تثبت انه قادر على التعاطي مع ما يدور في المنطقة والعالم وحتى داخل سوريا نفسها!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.