8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحل بن لادن.. وبقيت باكستان!

لعل اخطر ما في عملية اغتيال اسامة بن لادن انكشاف المكان الذي كان الرجل يقيم فيه في السنوات الخمس الاخيرة. انتهت الولايات المتحدة من اسامة بن لادن. شكّل اغتيال زعيم القاعدة انتصار كبيرا للمؤسسة الامنية والعسكرية الاميركية التي استطاعت الانتقام من ذلك الذي كان وراء غزوتي نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من ايلول- سبتمبر 2001. ولكن ماذا عن باكستان؟ اليست المشكلة التي يطرحها وجوده على ارضها اهم من مشكلة الرجل نفسه على الرغم من كل ما يرمز اليه؟
اظهرت المؤسسة الامنية الاميركية انها قادرة على الصبر وعلى العمل الدؤوب في مجال ملاحقة من تسميهم ارهابيين حتى لو احتاج ذلك سنوات طويلة. اكثر من ذلك، اثبت الاميركيون ان يدهم طويلة وان لا مفر من ان ينتقموا يوما بطريقة او باخرى من كل من تجرّأ على اذلالهم. قد تكون اليابان افضل مثل على الوحشية الاميركية، خصوصا لدى توافر الرغبة في الانتقام في واشنطن. لم يقبل الاميركيون انهاء الحرب مع اليابان الا بعد القاء قنبلة نووية على هيروشيما واخرى على ناغازاكي في العام 1945. كان في استطاعتهم حملها على الاستسلام من دون اللجوء الى السلاح النووي مرّة ثانية. لكنهم ارادوا بكل بساطة تذكير اليابان واليابانيين بانهم لم ينسوا بيرل هاربر وان الاستسلام ليس كافيا لانهاء الحرب. هذا هو العقل الاميركي الحقيقي الذي لم يتغيّر والذي ليس ما يشير الى انّه سيتغيّر يوما.
تخلصت الولايات المتحدة من اسامة بن لادن. رمت جثته في البحر. ولكن لم يمض اسبوعان على ذلك حتى هاجمت طالبان- باكستان موقعا عسكريا وقتلت ما يزيد على ثمانين جنديا باكستانيا. ذهب اسامة بن لادن وبقيت مشكلة اسمها باكستان التي وفرت ملجأ آمناً له ولافراد من عائلته ولقياديين اخرين في القاعدة. بكلام اوضح، لم يحل اغتيال الشيخ اسامة اي مشكلة بالنسبة الى الاميركيين الذين سيتوجب عليهم عاجلا ام اجلا طرح السؤال الجديد- القديم: هل يمكن معالجة الوضع الباكستاني ام فات اوان ذلك؟
تحوّلت باكستان مع الوقت الى مصنع لانتاج الارهابيين. يتبين اليوم اكثر من اي وقت ان لا فائدة من السعي الى انهاء الحرب في افغانستان او الانتهاء من القاعدة من دون حلّ جذري في باكستان يأخذ في الاعتبار ان طالبان من صنع باكستان وليس اي مكان اخر. هل هذا ممكن ام لا في ضوء جنوح باكستان كلها نحو التطرف. لم يحصل ذلك البارحة. بدأت باكستان تتغيّر مع وصول الجنرال ضياء الحقّ الى السلطة في العام 1977. عمل ضياء الحقّ على تغيير طبيعة المجتمع الباكستاني الذي عمل مؤسس الدولة محمد علي جناح من اجل ان يكون مجتمعا منفتحا يغلب عليه الاعتدال. لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن توجهات ضياء الحقّ الذي لعب حتى يوم مقتله في العام 1988، في ظروف بقيت غامضة، دورا محوريا في عملية استخدام التعبئة الدينية لمواجهة الاحتلال السوفياتي لافغانستان. كان اسامة بن لادن مع متطوعين عرب اخرين جزءاً لا يتجزّأ من هذه التعبئة التي نجحت في طرد السوفيات من افغانستان لكنها ادت عمليا الى انتقال باكستان من صف الدول الاسلامية المعتدلة الى دولة غير قادرة على التحكم باجهزتها الامنية التي كانت وراء نشوء طالبان.
كشف اغتيال اسامة بن لادن في مكان قريب من اسلام اباد ومن مواقع عسكرية مهمة تابعة للجيش ان الرجل ما كان يستطيع العيش في امان طوال سنوات عدة داخل الاراضي الباكستانية من دون حماية توفرها له الاجهزة الامنية. انها الاجهزة نفسها التي لا تزال تزود طالبان بالمقاتلين. لا تزال باكستان الحديقة الخلفية لـطالبان ولا تزال طالبان قادرة بدورها على توفير ملجأ آمن لعناصر من القاعدة بالتفاهم مع دوائر باكستانية معيّنة.
في ظل هذه المعطيات، يصعب القول ان النشوة الاميركية باغتيال اسامة بن لادن ستستمر طويلا. لا تزال المشكلة تراوح مكانها. ما العمل بباكستان؟ هل لا يزال هناك مجال لاعادة عقارب الساعة الى خلف، اي الى ما كانت عليه باكستان لدى استقلالها في العام 1947 وفي السنوات التي تلت الاستقلال وصولا الى بدء التحولا الكبير في العام 1977؟ ما لا يمكن تجاهله ان محمد علي جناح كان ليبيراليا وكان ضد اي نوع من انواع التطرف. جاء الاستقلال، الذي هو عمليا انفصال عن الهند بهدف انشاء كيان للمسلمين يعيشون فيه بحرية وامان. الان، بعد مرور نحو خمسة وستين عاما على قيام دولة باكستان، يمكن الحديث عن فشل التجربة قياسا بالنجاح الذي حققته الهند على كل الصعد. باكستان تؤوي اسامة بن لادن والهند اكبر ديموقراطية في العالم، اقلّه من حيث عدد السكان!
مجرد اغتيال اسامة بن لادن في الاراضي الباكستانية دليل على مدى فشل التجربة الباكستانية. من يتعمق في ما فعله ضياء الحق خلال السنوات التي حكم فيها باكستان يتأكد من شيء واحد هو ان الولايات المتحدة تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية هذا الفشل الذي لا تزال تحصد نتائجه الى يومنا هذا. استثمرت اميركا في التطرف في اثناء الحرب الباردة. كانت النتيجة انها جنت فوائد استثمارها في مرحلة ما بعد الخروج السوفياتي من افغانستان. ارتدّ رجالها عليها. كم عليها ان تقتل من هؤلاء قبل ان تعلن انتصارها النهائي في ما تسميه الحرب على الارهاب؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00