لعلّ اخطر ما في العملية الاخيرة التي استهدفت اسرائيليين عند موقف باصات في القدس انها جاءت في وقت ستتمكن اسرائيل مجدداً من ممارسة ارهاب الدولة، الذي لم تتوقف يوما عن ممارسته في حق الشعب الفلسطيني. هذه المرة لن يوجد للأسف الشديد من يدعوها حتى الى ممارسة ضبط النفس. مارست اسرائيل في حرب غزة الاخيرة ارهاب الدولة. وُجد من يقول لها اخيرا ان كفى تعني كفى وان عليها الانسحاب من غزة. فعلت ذلك بعدما قتلت من قتلت ودمرت ما تريد تدميره وتأكدت من ان قادة حماس احياء يرزقون، في معظمهم، وانها تستطيع الاعتماد عليهم متى كانت في حاجة الى حرب جديدة تعفيها من الحاجة الى البحث في اي تسوية من ايّ نوع كان.
قتلت اسرائيل ما يزيد على الف وثلاثمئة فلسطيني، معظمهم من المدنيين بينهم نساء واطفال وجرحت الآلاف ودمرت ربع البنية التحتية للقطاع فيما العالم يقف مكتوفا وكأنه غير معني بالمجزرة. كان ذلك اواخر العام 2008 ومطلع العام 2009. الى الآن، لا يزال هناك مواطنون غزاويون من دون مأوى ولا يزال الحصار الجائر مفروضا على القطاع واهله. كانت الصواريخ العشوائية التي تطلق من غزة والتي كانت حماس تعتقد انها ستحرر بها فلسطين مبرراً لتلك الحرب التي شنتها اسرائيل على القطاع. كانت اسرائيل تبحث وقتذاك عن مثل هذه الصواريخ من اجل شن الحرب على غزة. كان رئيس الوزراء ايهود اولمرت في حاجة الى تلك الحرب هو ووزير الدفاع ايهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني. لم تؤد الحرب الغرض المطلوب والذي كان متمثلا في تحقيق حزب كاديما نجاحاً في الانتخابات النيابية التي جرت في شباط من العام 2010 . استطاع كاديما التقدم على الاحزاب الاخرى في تلك الانتخابات ولكن من دون الحصول على ما يكفي من النواب، بما يسمح بتشكيل حكومة برئاسة ليفني. على العكس من ذلك، استطاع بيبي نتنياهو العودة الى السلطة بفضل التحالف القائم بين ليكود والاحزاب اليمينية وما بقي من حزب العمل بزعامة ايهود باراك الذي انقلب اخيرا على حزبه.
هل بين الفلسطينيين من يمتلك في هذه المرحلة بالذات مصلحة في ان تكون هناك عملية من هذا النوع في القدس بالذات فيما العالم منشغل بما يدور في العالم العربي، في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين خصوصا؟ هل بين الفلسطينيين من يمتلك مصلحة في اطلاق صواريخ من النوع المضحك- المبكي من غزة وهو على علم تام ان اسرائيل سترد بشكل وحشي مستهدفة مواقع عسكرية ومدنية في القطاع؟
لا شيء يحصل بالصدفة في الاراضي الفلسطينية. الواضح ان تنظيما مرتبطا مباشرة بإيران، وراء اطلاق الصواريخ من غزة في الايام القليلة الماضية وعملية القدس الاخيرة. ما هو واضح اكثر، ان هناك مخاوف لدى هذا التنظيم ولدى الذين يقفون وراءه من مصالحة فلسطينية- فلسطينية ومن احتمال قيام رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) بزيارة لغزة.
مرة اخرى، يبدو مطلوبا المتاجرة بالشعب الفلسطيني. مرة اخرى، يبدو مطلوبا ان يكون هذا الشعب ورقة يستخدمها المحور الايراني- السوري لتأكيد انه اللاعب الاقليمي الاهم في المنطقة. مرة اخرى، يلجأ المحور الايراني- السوري الى ممارسة عملية هروب الى امام عن طريق تصدير ازماته الى خارج.
ستمارس اسرائيل ارهاب الدولة. ستستغل عملية القدس للاعتداء على الضفة الغربية والشعب الفلسطيني واظهار السلطة الوطنية في مظهر من ليس قادرا على ضبط الامن فيها. اكثر من اي وقت، تبدو الحاجة الى كلام فلسطيني صريح يسمّي الاشياء باسمائها ويقول بالفم الملآن ان الشعب الفلسطيني ليس سلعة. هذه المرة، يفترض في حماس الخروج عن صمتها والقول لماذا لم تستطع احترام ما تسميه التهدئة مع اسرائيل، علما بانها كانت وراء طلب التهدئة؟ اكتشفت حماس بعد حرب غزة الاخيرة ان لا مصلحة اسرائيلية في القضاء على الامارة الاسلامية التي اقامتها في غزة. فاكدت المرة تلو الاخرى ان لديها مصلحة في التوقف عن اطلاق الصواريخ التي كانت في الامس القريب قوة ردع في وجه الاحتلال ووسيلة لاستعادة فلسطين، كل فلسطين من البحر الى النهر بصفة كونها وقفا اسلاميا حسب تعبير القياديين في الحركة.
هل تستطيع حماس قول ما يجب قوله فلسطينيا... ام يتبين مجددا انها اسيرة المحور الايراني- السوري وان الفيتو الايراني الذي يتحدث عنه ابو مازن صراحة لا يزال قائما وان هذا الفيتو هو الذي يجعلها غير قادرة على منع اطلاق الصواريخ من غزة، مثلما يمنعها من السير الى النهاية في المصالحة الفلسطينية؟ ولكن يبقى السؤال الاساسي هل تمتلك حماس حرية قرارها؟ او على الاصح هل امتلكت يوما حرية قرارها؟
ما يثير الاسى ان هناك من لا يريد ان يتعلم من تجارب الماضي القريب. هناك بين الفلسطينيين من لا تهمه قضية الشعب الفلسطيني بأي شكل من الاشكال. يبدو همّ بعض الفلسطينيين محصورا في تأكيد ان هذا الشعب سلعة لا اكثر وانه لن يستطيع يوما امتلاك قراره المستقل الذي يؤكد انتماءه الى ثقافة الحياة بديلا من ثقافة العمليات الانتحارية التي لم تخدم يوما سوى نتنياهو. من يريد ان يتذكر ان العمليات الانتحارية في القدس هي التي اوصلت بيبي نتنياهو الى رئاسة الوزارة للمرة الاولى في العام 1996؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.