8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من فضائل الزلزال العراقي على المنطقة...

يمكن وصف السنة 2010 بأنها كانت سنة الإعداد للتغييرات الكبيرة في الشرق الاوسط. في السنة 2010، تبين بما لا يقبل اي شك ان ما حصل في العراق في العام 2003 كان زلزالا ستكون له انعكاساته على المنطقة كلها. لا يزال الزلزال العراقي في بدايته، علما أن مفاعيله بدأت تظهر على الارض. ربما كان افضل دليل على ذلك تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة السيد نوري المالكي بالطريقة التي تشكلت بها.
لعلّ أخطر ما في المرحلة الجديدة التي يمرّ بها الشرق الاوسط ان هناك رغبة واضحة في تجاوز الديموقراطية، التي تشكل الانتخابات الحرة افضل تعبير عنها. يتم ذلك عن طريق السلاح الذي في يد ميليشيات مذهبية تعتبر نفسها فوق مؤسسات الدولة.
في اساس ذلك ما حصل في العراق في العام 2003. يتبين كل يوم ان هناك منتصرا واحدا من الحرب الاميركية في العراق. هذا المنتصر هو ايران التي انتظرت سنوات عدة بعد انتهاء حربها مع العراق في العام 1988 كي تصفي حساباتها معه. استطاعت ان تفعل ذلك مستفيدة من اخطاء النظام العراقي السابق وعبر الادارة الاميركية التي كان على رأسها جورج بوش الابن الذي لم يدرك ان اسقاط النظام القائم في العراق كان هدية لإيران لا اكثر. ما حصل عمليا، على الرغم من كل ما يمكن قوله عن النظام العائلي- البعثي الذي اقامه صدّام حسين وارتكاباته، انّ لا مفر من الاعتراف بأنّ ايران، التي كانت شريكا في الحرب الاميركية على العراق. كانت المنتصر الوحيد في تلك الحرب. ولذلك، لم يعد ممكنا تشكيل حكومة عراقية من دون ضوء اخضر من طهران. احتاج نوري المالكي الى تسعة اشهر لتشكيل حكومة. احتاج في واقع الحال الى تفاهم اميركي- ايراني انبثقت عنه تلك الحكومة. لا يشبه التفاهم الحالي سوى ذلك التفاهم الذي حصل بين واشنطن وطهران في كانون الاول 2002 حين اجتمعت المعارضة العراقية في لندن وتوصلت الى ما يمكن وصفه بأخطر وثيقة في تاريخ العراق الحديث. تحدثت تلك الوثيقة بصراحة ليست بعدها صراحة عنالاكثرية الشيعية في العراق وعن الفيديرالية مكرسة المذهبية من جهة والرغبة في تفتيت العراق من جهة اخرى. لم يكن ممكنا عقد مؤتمر لندن للمعارضة العراقية من دون الموافقة الايرانية التي ترتقي الى مستوى استخدام الاميركيين في تنظيم المؤتمر والتمهيد للحرب على العراق.
يتبين اليوم اكثر من اي وقت، ان ايران تحولت الى القوة المهيمنة في العراق، وان الاميركيين كانوا مجرد اداة ايرانية لإسقاط النظام القائم لا اكثر ولا اقلّ. لا حاجة الى تفسيرات وتحليلات في العمق لتأكيد هذه الحقيقة. يعتبر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة مثلا صارخا على ذلك. كانت هناك انتخابات في السابع من آذار الماضي. اسفرت تلك الانتخابات عن فوز القائمة العراقية برئاسة الدكتور اياد علاوي.
لم يكن الانتصار الذي تحقق في الانتخابات انتصارا لشخص اياد علاّوي. كل ما في الامر ان العراقيين ارادوا تحدي الارهاب والانقسامات المذهبية والطائفية والمناطقية والتصويت لشخص يمثل الهوية العربية والعراقية. خاطر العراقيون بأرواحهم كي يؤكدوا انهم ليسوا طائفيين ومذهبيين وان هناك شيئا اسمه العراق العربي يجمع بينهم. ماذا كانت النتيجة؟ تبين ان الفيتو الايراني على اياد علاّوي يعتبر كافيا كي تكون هناك اكثرية جديدة مصطنعة ذات طابع مذهبي تمحو نتائج الانتخابات. بعد تسعة اشهر من الانتخابات، استطاع نوري المالكي بقدرة قادر، اسمه السلاح الايراني والميليشيات المذهبية التابعة للاحزاب الطائفية الكبيرة، تشكيل حكومة غير مكتملة. المهم قطع الطريق على اياد علاّوي. انه قطع للطريق على ارادة شعبية تستهدف تكريس وجود الهوية العراقية التي تتجاوز المناطق والمذاهب والطوائف. جديد الشرق الاوسط ان هناك قوة اقليمية اسمها ايران قادرة على التفاهم مع الادارة الاميركية من اجل إلغاء نتائج الانتخابات في دولة معينة في حال لم ترق لها هذه النتائج.
لا يزال الزلزال العراقي في بدايته. قبل العراق، حصل الشيء نفسه في لبنان. تحدى اللبنانيون في حزيران من العام 2009 الارهاب والترهيب والسلاح الميليشيوي والمال السياسي والمذهبية والطائفية وصوتوا لمصلحة السيادة والاستقلال. ماذا كانت النتيجة؟ لم تستطع الاكثرية التي تمثل التيار الاستقلالي والسيادي المؤمن بثقافة الحياة تشكيل حكومة. فُرضت على لبنان حكومة وحدة وطنية لا هدف لها سوى تعطيل مؤسسات الدولة والحؤول دون اي اهتمام بهموم المواطن العادي. تمثل الحكومة بتشكيلتها الغريبة عمليا وصاية السلاح والقدرة التي يمتلكها السلاح على إلغاء نتائج الانتخابات وإرادة الشعب.
كلما يمر يوم، يتبين ان هناك واقعا جديدا في الشرق الاوسط. انه واقع يفرضه السلاح ولا شيء آخر غير السلاح. نفوذ السلاح الايراني في لبنان او العراق وحتى فلسطين حيث ممنوع ان تكون هناك مصالحة بين فتح وحماس في حال كان المكان الذي ستوقع فيه وثيقة المصالحة هو القاهرة. السلاح يلغي الانتخابات ونتائج الانتخابات ويفرض واقعا جديدا ناتجا عن الزلزال العراقي. لم يعد السؤال هل حصل الزلزال بمقدار ما انه مرتبط بنتائج هذا الزلزال. كل ما يمكن قوله ان السلاح حلّ مكان الانتخابات. لم يعد مسموحا للعراقيين تحدي الطائفية والمذهبية. ولم يعد مسموحا للبنانيين مقاومة السلاح المذهبي والمطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال وتأكيد تعلقهم بثقافة الحياة وتمسكهم بمؤسسات الدولة اللبنانية. ولم يعد في استطاعة الفلسطينيين تحقيق المصالحة الوطنية من دون إذن خارجي. هذه بعض فضائل الزلزال العراقي الذي لا يزال في بدايته...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00