8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل تشجع إدارة أوباما التطرف؟

من يتوقف عند التراجع الأميركي امام وحش الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية نفسها ومحيطها، يجد نفسه أمام رسالة فحواها ان الولايات المتحدة تتبع سياسة تصب في تشجيع التطرف في منطقة الشرق الأوسط وحتى في مختلف أنحاء العالم. ماذا يعني الرضوخ الأميركي للاستيطان غير القبول بالسياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية؟ انه في الواقع استسلام لسياسة تشجع على التطرف في كل المنطقة من المحيط إلى الخليج وحتى في أماكن على مشارف العالم العربي او على تماس معه كما الحال في افغانستان أو إيران.
بعثت ادارة باراك اوباما بالرسالة الخطأ عندما اعلنت صراحة انها لم تستطع اقناع الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها بيبي نتانياهو بوقف الاستيطان. اكد بيبي للمرة الالف ان ما يهمه في هذه المرحلة المحافظة على حكومته بشكلها الحالي. بكلام أوضح، هناك إصرار على بقاء الحكومة الإسرائيلية تحت رحمة الأحزاب المتطرفة، على رأسها حزب إسرائيل بيتنا الذي يتزعمه وزير الخارجية افيغدور ليبرمان الذي لا يؤمن سوى بالتطرف إلى حدّ انه لا يخفي ان المطلوب طرد الفلسطينيين من أراضيهم، بما في ذلك السكان العرب داخل ما يسمىالخط الأخضر، علما ان هؤلاء يحملون الجنسية الإسرائيلية!
يفضّل بيبي تفادي المجازفة بدخول ائتلاف مع أحزاب قادرة على السير في مفاوضات مع الفلسطينيين استنادا إلى مرجعية معينة هي الخط الذي كان قائما في العام 1967. اختار الاستيطان، اي الاحتلال، بديلا من السلام. هل الولايات المتحدة، التي ليس لديها ماض استعماري، مع الاحتلال ام لا؟ هل يمكن ان تتنكر لكل تراثها من اجل استرضاء حكومة إسرائيلية يعتبر رئيسها ان بقاءه في السلطة مرتبط بتمسكه بالاحتلال؟
لا يمكن للموقف الأميركي الجديد سوى ان تكون له انعكاسات تصب في دعم كل الحركات المتطرفة في المنطقة. ربما كان التفسير الوحيد لمنطق السياسة الأميركية ان ما اقدم عليه باراك اوباما يندرج في سياق السياسة التي اعتمدها جورج بوش الابن في السنوات الثماني التي أمضاها في البيت الابيض. انتصر اوباما في معركة الرئاسة على المرشّح الجمهوري جون ماكين بعدما وعد الأميركيين بـالتغيير. يتبين اليوم ان الرئيس الحالي اسير سياسة سلفه اكثر من اي وقت. جاء لتغيير هذه السياسة فاذا به متمسك بها أكثر من بوش الابن نفسه... وإلى أوسع حدود.
يمكن القول ان باراك اوباما وسع هذه السياسة لتشمل النزاع العربي- الإسرائيلي عموما والفلسطيني- الإسرائيلي على وجه التحديد. فبوش الابن ذهب إلى العراق بحجة ان الولايات المتحدة تريد تغيير الشرق الاوسط ونشر الديموقراطية فيه. كانت النتيجة انها بدل ان تطلق العنان للديموقراطية، وفرَّت كل الاسباب التي تشجع التطرف والمتطرفين اكان ذلك في العراق نفسه او فلسطين ولبنان وسائر دول المنطقة. في النهاية، يقتات التطرف الإسرائيلي من التطرف الذي ينتشر في المنطقة كالنار في الهشيم. ما الذي فعلته القوة العظمى الوحيدة في العالم في العراق باستثناء اثارة الغرائز المذهبية البدائية وتشجيع استيلاء الميليشيات المذهبية على السلطة وتوفير مأوى آمن لـالقاعدة؟ ليس ما يزعج حكومة نتانياهو عندما تكون حماس واجهة الشعب الفلسطيني. فالهمّ الاوّل لـحماس ليس التخلص من الاحتلال، بل تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني من داخل. والثابت ان ليس ما يزعجها في سيطرة حزب الله على لبنان. اذا عدنا قريبا إلى خلف، نجد ان الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة لم تعترض يوما على ان يكون الجنوب اللبناني خارج سيطرة الجيش الوطني وذلك منذ توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969. اكثر من ذلك، لم تدعم إسرائيل في لبنان، بشكل مباشر او غير مباشر، سوى الأحزاب الطائفية او المذهبية، بغض النظر عما اذا كانت هذه الأحزاب مسلمة او مسيحية. فالمهم ان تعمل هذه الأحزاب على تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية وان يبقى لبنان، من وجهة نظرها، مصدر خطر على الدولة العبرية كي تبرر عملية الهروب المستمرة من استحقاقات السلام مع الفلسطينيين خصوصا.
نعم يُستخدم لبنان وتُستخدم حماس في غزة في عملية اظهار إسرائيل في مظهر الكيان المهدد الذي لا يستطيع الدخول في مفاوضات جدّية مع الجانب الفلسطيني، خصوصا عندما يجري التركيز في هذا السياق على العلاقة القائمة بين حماس وحزب الله والجهات الإقليمية التي تدعمهما وعلى الشعارات الفضفاضة التي ترفعها تنظيمات تعد بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر...انطلاقا من غزة او من الأراضي اللبنانية!
ليس كافيا إعلان الإدارة الأميركية بلسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ان واشنطن متمسّكة بالسلام. الكلام الجميل شيء والأفعال على الارض شيء آخر. هل هناك وعي أميركي لمخاطر ترك حكومة نتانياهو تعمل على تكريس الاحتلال؟ هل هناك ادراك لواقع يتمثل في ان التخلي عن سياسة قائمة على اتخاذ موقف واضح من الاحتلال يعني انضمام الولايات المتحدة إلى الجهود الاسرائيلية الهادفة إلى تشجيع كل انواع التطرف في المنطقة؟
ما الذي تريده الولايات المتحدة؟ هل تريد الاستقرار في الشرق الاوسط، ام ان كل ما في الامر ان المطلوب نشر الفوضى فيه انطلاقا من الزلزال الذي ضرب العراق؟ من لا يتوقف لحظة للتفكير في الانعكاسات التي يمكن ان تترتب على الاستسلام امام الاحتلال الاسرائيلي، لا يحق له الاعتراض على سياسات بوش الابن التي لم تؤد عمليا سوى إلى تفتيت المنطقة وشرذمتها والتشجيع على التطرف. هل ادارة اوباما مع التطرف او ضدّه في الشرق الاوسط وخارجه؟ هل من يريد في واشنطن الاجابة عن هذا السؤال؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00