من هو افيغدور ليبرمان الحقيقي؟ قبل الاجابة عن هذا السؤال المتعلق بوزير الخارجية الإسرائيلي وزعيم حزب إسرائيل بيتنا المتطرف الذي حقق نتائج باهرة في الانتخابات الإسرائيلية الاخيرة، لا بدّ من الاشارة الى ان الرجل ليس سوى يهودي من مولدافيا انتقل الى إسرائيل حديثا. كان قبل ذلك مجرد حارس عند باب مقهى ليلي في عاصمة بلده الاصلي. من حق كل انسان ان يتطور وان يسعى الى الافضل. من حق كل انسان تسلق السلم الاجتماعي في اتجاه الترقي على كل المستويات. ولكن هل يمكن ان تكون قضية الشعب الفلسطيني في يد اشخاص من نوع ليبرمان الذي تحدث امام الجمعية العمومية للامم المتحدة، باسم إسرائيل، عن تبادل للاراضي والسكان في اطار تسوية تحتاج الى سنوات مديدة. لم يخف ليبرمان ان الهدف من كسب الوقت عن طريق مفاوضات طويلة هو التخلص في نهاية المطاف من عرب إسرائيل بحجة ان إسرائيل دولة يهودية لا مكان فيها لغير اليهود.
صحيح ان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين، او بيبي نتانياهو، سارع الى التبرؤ من كلمة وزير الخارجية في حكومته امام اهم محفل دولي، لكن الصحيح ايضا ان بيبي لم يفعل شيئا ليؤكد انه مختلف عن ليبرمان وانه يريد بالفعل السلام والتوصل الى تسوية معقولة ومقبولة. ولذلك في الامكان القول ان بيبي هو ليبرمان الحقيقي وهو يستخدم وزير الخارجية من اجل متابعة استراتيجيته القائمة على مبدأ التفاوض من اجل التفاوض وهو مبدأ اخترعه اسحق شامير لدى اجباره، تحت ضغط ادارة جورج بوش الاب- جيمس بايكر، على التوجه لحضور مؤتمر مدريد في اكتوبر من العام 1991. وقتذاك، قال شامير صراحة، وكان رئيسا للوزراء، انه مستعد للتفاوض لسنوات بما يسمح لإسرائيل بفرض امر واقع على الارض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967.
شئنا ام ابينا، علينا الاعتراف بان إسرائيل فرضت امرا واقعا. الدليل على ذلك متابعة بناء الجدار الامني، وهو جدار عنصري يقسم الارض الفلسطينية المحتلة في العام 1967. اضافة الى ذلك، هناك اصرار على متابعة الاستيطان او على الاصح على اقامات مستعمرات جديدة في الضفة الغربية ومحيط القدس بغية عزل المدينة عن كل ما هو فلسطيني.
ليبرمان هو الوجه الوقح والاصيل لنتانياهو. ما لا يستطيع رئيس الوزراء الإسرائيلي قوله، يقوله وزير الخارجية الذي يمثل السياسة الحقيقية للحكومة الحالية. انها حكومة متطرفة لا تريد السلام وتعتقد ان الوقت يعمل لمصلحتها وان مجرد استفزاز الجانب الفلسطيني، كفيل بحمله على الانسحاب من المفاوضات المباشرة او غير المباشرة التي يرعاها الجانب الأميركي.
في حال كان على المرء ان يكون صادقا مع نفسه، عليه الاعتراف اوّلا ان الهدف الإسرائيلي يتمثل في الوقت الراهن في دفع الفلسطينيين الى التخلي عن المفاوضات والتخلص بالتالي من اي ضغط أميركي من اي نوع كان من اجل التوصل الى تسوية. من دون مفاوضات، لن يطرح الأميركيون افكارا جديدة او صيغة ما تؤدي في النهاية الى قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة عاصمتها القدس الشرقية.
في غياب الرغبة الإسرائيلية في السلام، ماذا يستطيع ان يفعل الجانب الفلسطيني؟ هل يستطيع الاستمرار في التفاوض في ظل الاصرار الإسرائيلي على الاستيطان بحجة ان الحكومة الإسرائيلية تضم متطرفين لا يقبلون باقل من ذلك؟
الجواب بكل بساطة ان الجانب الفلسطيني في وضع لا يحسد عليه. يكفي ان عليه ان يفاوض طرفا يعمل بكل الوسائل على تكريس الاحتلال لقسم من الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولكن يظلّ على الرغم من ذلك ان على السلطة الوطنية الفلسطينية تفادي اي قطيعة مع الجانب الأميركي بغض النظر عن الاخطاء التي ترتكبها الادارة الحالية وضعفها داخل الولايات المتحدة نفسها. في النهاية، هناك نجاحات لا يمكن الاستهانة بها تحققت في الفترة الاخيرة. في مقدم هذه النجاحات استتباب الامن في الضفة الغربية ومنع حماس من الاستيلاء عليها. بفضل الامن الفلسطيني وجهود رئيس السلطة السيد محمود عبّاس ورئيس الحكومة الدكتور سلام فيّاض، لم تعد ارض فلسطين ارضا طاردة لاهلها. على العكس من ذلك، هناك فلسطينيون يعودون الى فلسطين ويستثمرون فيها. هناك ازدهار في كل الضفة الغربية. في اساس الازدهار استتباب الامن وممارسة سياسة انفتاح على كل المستويات.
في وقت يسير الوضع العربي من سيء الى اسوأ، ليس امام الفلسطينيين سوى مواجهة المشروع الإسرائيلي وحدهم. السبيل الوحيد الى ذلك تجنب العزلة الدولية عن طريق تفادي اي صدام مع الادارة الأميركية حتى لو تعلق الامر بمتابعة المفاوضات في ظروف مذلة. الاهم من ذلك عدم العودة الى العنف باي شكل من الاشكال ومتابعة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية من دون الاكتراث لاي مناورات سياسية يقوم بها هذا الطرف العربي او غير العربي او ذاك من اجل القيام بانتفاضة جديدة. لقد عادت الانتفاضة الاخيرة على الفلسطينيين بالويلات، بل اعادتهم سنوات الى خلف واستغلت إسرائيل الانتفاضة التي انطلقت في مثل هذه الايام قبل عشر سنوات لاعادة احتلال جزء من الارض ولاقامة جدار الفصل العنصري.
هناك سياسة إسرائيلية في غاية الخطورة. لا فارق يذكر بين ليبرمان ونتانياهو. انهما وجهان لعملة واحدة. ولكن حذار السقوط في فخ الخروج من المفاوضات من دون تنسيق مع واشنطن بغض النظر عن كل الشوائب التي في سياسة الادارة الحالية التي يصدر عنها كلام جميل لا قدرة لديها على ترجمته الى واقع!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.