يعود الفلسطينيون هذه الأيام إلى المفاوضات المباشرة. ولكن ما قد يكون أهم من المفاوضات المحكوم عليها بالفشل في غياب دور أميركي فعّال هو ما الذي يستطيع باراك اوباما عمله من اجل دخول التاريخ من بوابة أخرى غير بوابة انه أول، وربما آخر، رئيس اسود للولايات المتحدة، رئيس يبحث في هذه الأيام عن مكان يحقق فيه نجاحا او اختراقا ما؟
بعد الفشل الأميركي في العراق، وهو فشل يعبر عنه الفراغ السياسي في البلد الذي لا يزال من دون حكومة على الرغم من مرور نحو ستة أشهر على إجراء الانتخابات النيابة، وبعد السقوط المريع في المستنقع الأفغاني، وفي ضوء العجز عن تحقيق أي تقدم على الصعيد الاقتصادي داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث لا تزال نسبة البطالة تتجاوز العشرة في المئة، عاد التركيز على الشرق الأوسط وعلى القضية الفلسطينية تحديدا. هل النزاع العربي- الإسرائيلي بشقه الفلسطيني المكان المناسب لتحقيق اختراق يعيد الاعتبار للرئيس الأميركي وإدارته؟
يجمع اوباما بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي والسيد محمود عبّاس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في واشنطن من اجل تحقيق ما لم يتمكن أي رئيس أميركي آخر من تحقيقه. يعطي اوباما إشارة الانطلاق لمفاوضات مباشرة تستهدف التوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، علما بان كل ما يسعى إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي هو إضاعة الوقت... والتفاوض من اجل التفاوض ليس إلاّ، نظرا إلى معرفته بان الفلسطينيين غير قادرين على توقيع صك استسلام !
قبل انتخابه رئيسا في تشرين الثاني من العام 2008، قام اوباما بجولة في الشرق الأوسط. توقف في رام الله والتقى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وقال له بالحرف الواحد انه لن يكرر ما فعله سلفه جورج بوش الابن، أي انه لن ينتظر السنة الأخيرة من ولايته الثانية كي يبذل جهدا لإيجاد تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كان اوباما صادقا. لم يمرّ أسبوع على توليه مهماته الرسمية مطلع السنة 2009 حتى عين مبعوثا رئاسيا هو السناتور جورج ميتشل زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ سابقا وكلفه التوجه إلى الشرق الأوسط.
لم يمض وقت طويل حتى اكتشف اوباما تعقيدات المنطقة. اكتشف خصوصا أن التعاطي مع الإسرائيليين ليس سهلا في ضوء رغبتهم في الاحتفاظ بقسم من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية. تراجع الرئيس الأميركي عن مواقف عدة كان اعلن تمسكه بها. على رأس تلك المواقف تجميد الاستيطان الإسرائيلي. اكد مبعوثوه وكبار المسؤولين في ادارته داخل الغرف المغلقة ما سبق ان اكدته ادارة بوش الابن بواسطة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في شأن الضفة الغربية بصفة كونها ارضا محتلة. لكن تلك التأكيدات لم تنفع في شيء. اضطرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى تفادي اي إشارة إلى مرجعية المفاوضات المباشرة لدى إعلانها قبل أيام عن دعوة ابو مازن وبيبي نتانياهو إلى واشنطن لمباشرة المفاوضات ابتداء من الثاني من أيلول الجاري. اكتفى الجانب الفلسطيني ببيان اللجنة الرباعية الذي حدد مرجعية المفاوضات، وهي حدود العام 1967 ، وهو البيان الذي تجاهله بيبي كليا.
بمجيئه إلى واشنطن ومشاركته في المفاوضات المباشرة، يعيد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الكرة إلى الملعب الأميركي. لو رفض الدعوة التي وجهها اليه اوباما لكانت خسارته أكيدة نظرا إلى انه كان سيتوجب عليه الوقوع في الخطأ الذي ارتكبه ياسر عرفات، رحمه الله في أواخر العام 2000 والمتمثل في قطع العلاقة المميزة التي ربطته طويلا بالإدارة الأميركية والتي سمحت له بدخول البيت الأبيض مرارا وباستقبال بيل كلينتون في غزة عندما كان الأخير رئيسا للولايات المتحدة. قد يحقق ابو مازن شيئا ما. ربما يقتصر ما سيحققه على الحد من الأضرار التي ستلحق بالجانب الفلسطيني في حال رفضه التفاوض مع الإسرائيلي على الرغم من الإلحاح الأميركي. ولكن يبقى هل هناك إستراتيجية أميركية واضحة في شأن عملية السلام وتحقيق التسوية التي تستند إلى خيار الدولتين وإجبار إسرائيل على ذلك ؟
لم يكن في استطاعة الجانب الفلسطيني تفادي الذهاب إلى واشنطن. كان مقاطعة المفاوضات المباشرة بمثابة انتحار سياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية. في الواقع، لم يكن لدى الجانب الفلسطيني خيار آخر، مثلما انه لم يكن لدى الجانب العربي من خيار غير تغطية المفاوضات المباشرة.
تكمن المشكلة الحقيقية التي ستواجه الجانب الفلسطيني ان اوباما ضعيف. ولكن ما قد يبعث إلى التحلي بمقدار قليل من التفاؤل ان ليس لدى الرئيس الأميركي مكان آخر يحقق فيه انجازا. تبدو كل الأبواب الأخرى مسدودة في وجهه. ما يؤكد ذلك ان عليه تحويل الانسحاب من العراق إلى انجاز على الرغم من ان البلد يتجه بخطى ثابتة نحو كارثة كبيرة.
من يعود إلى خلف قليلا، يكتشف ان الرئيس الأميركي، اي رئيس أميركي قادر على ممارسة ضغوط معينة على إسرائيل في حال امتلك استراتيجية واضحة. في خريف العام 1978، مارس جيمي كارتر، وهو من اضعف الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة، ما يكفي من النفوذ ليفرض اتفاقي كامب ديفيد على رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغن. كل ما فعله الرئيس الراحل انور السادات وقتذاك، ان حمّل كارتر مسؤولية ايجاد تسوية تستند إلى انهاء الاحتلال. بغض النظر عما يقوله كثيرون من ادعياء الوطنية في اتفاقي كامب ديفيد، استعادت مصر كل شبر من سيناء التي كانت محتلة. هل في استطاعة باراك اوباما ان يكون افضل من جيمي كارتر في غياب القدرة على ارتداء بزة دوايت ايزنهاور؟ للتذكير فقط، اجبر ايزنهاور اسرائيل، بعد اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الاميركي جون فوستر دالاس ورئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن، على الانسحاب من سيناء في العام 1956 بمجرد اكتشافه ان العدوان البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي على مصر خطط له من خلف ظهر الولايات المتحدة!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.