8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إيران لا تستطيع إعطاء دروس لأحد...

الموضوع ليس موضوع تسليح إيران للجيش اللبناني أو امتناعها عن ذلك. الموضوع مرتبط قبل أي شيء آخر بان تكف إيران عن التدخل في شؤون لبنان والعرب عموما وان تتوقف عن إثارة الغرائز المذهبية، هذه الغرائز التي يتبين كل يوم انها تمثل اخطر ما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط. ما قد يكون أهم من ذلك كله اقتناع إيران، وغير إيران، بحصر التعاطي بمؤسسات الدولة اللبنانية نظرا إلى أن كل ما عدا ذلك يسيء إلى لبنان واللبنانيين ويصب في مصلحة ضرب الاستقرار في البلد الصغير وخدمة كل من يهمه تفتيت العالم العربي وشرذمته.
تبدو هذه المقدمة القصيرة ضرورية أكثر من أي وقت في ضوء الأحداث الأخيرة التي شهدتها بيروت وما تخللها من وجهات بين سلاح حزب الله، وهو لواء في الحرس الثوري الإيراني وتنظيم، يُقال انه سنّي لبناني، معروف من يسلحه والجهة التي تستخدمه. قبل الخوض في الكلام الكبير عن أهمية تسليح الجيش الوطني، من الأفضل المباشرة في تحصين الجبهة الداخلية التي هي أهم بكثير من السلاح، اي سلاح والتي من دونها لا صمود للمجتمع اللبناني في مواجهة المحاولات الهادفة إلى إخضاعه وتدجينه ومنعه من الانتماء إلى ثقافة الحياة وكل ما هو حضاري في هذا العالم.
في كل الأحوال، ليس لدى النظام في إيران أي دروس يعطيها للبنان في أي مجال من المجالات أو ميدان من الميادين، اقله في الوقت الراهن. إيران في أزمة عميقة وعليها أن تتصالح مع نفسها أولا ومع محيطها العربي قبل ان يوجد من يتحدث باسمها عن إرسال السلاح إلى هذا الطرف أو ذاك. إيران امة كبيرة ذات حضارة عظيمة وقديمة. لا يجوز لها أن تكون على عداء مع معظم جيرانها خصوصا العرب منهم. على العكس من ذلك، يفترض في إيران ان تعمل على طمأنة العرب، خصوصا في منطقة الخليج وان تشعرهم بانها تتطلع إلى التعاون معهم من اجل مستقبل أفضل لكل دول المنطقة وشعوبها بدل التصرف بطريقة لا تنم سوى عن عجرفة لا حدود لها وكأن العرب ينتمون إلى حضارة اقلّ شأنا من الحضارة الفارسية ولا يصلح التعامل معهم إلا بطريقة فوقية.
تكمن مشكلة العرب مع إيران في انهم يعرفون تماما ما الذي تريده وما هي همومها الحقيقية. يعرفون مثلا انها خطفت القضية الفلسطينية بغية المزايدة على العرب وإحراجهم وان آخر ما يهمها هو حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية المشروعة. على العكس من ذلك، ليس مهما، من وجهة النظر الإيرانية، أن تتقدم القضية الفلسطينية بمقدار ما إن المطلوب المتاجرة بالشعب الفلسطيني والمأساة الغارق فيها. الدليل على ذلك، ان إسرائيل تستخدم الشعارات التي يطلقها المسؤولون الإيرانيون أفضل استخدام للتنكيل بالشعب الفلسطيني وتكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.
لا حاجة إلى الحديث عن الدور السلبي لإيران في البحرين أو اليمن أو مصر أو السودان أو المغرب... أو عن استمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث التي استولى عليها الشاه في العام 1971. ولا حاجة إلى الحديث عن الدور الإيراني في العراق ومساهمته في تمزيق البلد عن طريق دعم ميليشيات مذهبية فيه. يمكن وضع كل هذه الأمور جانبا والتركيز على البرنامج النووي الإيراني الذي يشكل في المرحلة الراهنة موضوع مواجهة بين الجمهورية الإسلامية والمجتمع الدولي.
تبين بعد تزويد روسيا إيران بما يلزم من وقود لتشغيل مفاعل بو شهر ان المجتمع الدولي ليس ضد حصول إيران على التكنولوجيا التي تسمح لها باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية. لم يحصل اعتراض أميركي أو أوروبي على الخطوة الروسية. بدا ان هناك تنسيقا بين موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية المعنية في هذا الشأن. ولأنّ الخطوة الروسية أحرجت طهران، رافق الاحتفال ببدء تزويد المفاعل بالوقود مع خطوات تصعيدية تركز على تطوير أسلحة جديدة بدل تقديم الضمانات اللازمة التي تؤدي إلى مصالحة بين إيران من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
بدا واضحا ان إيران غير قادرة على وقف عملية الهروب المستمرة إلى امام والاقتناع بان عليها قبل كل شيء الاهتمام بشعبها الذي يعاني قسم كبير منه من الفقر والجوع. فليس سرا ان هناك نسبة كبيرة من الإيرانيين تعيش تحت خط الفقر. وليس سرا ان إيران التي تصدر النفط مضطرة إلى استيراد كميات كبيرة من البنزين نظرا إلى انها لا تمتلك ما يكفي من المصافي بما يلبي حاجة السوق الداخلية.
باختصار شديد، ان إيران ليست في وضع من يعطي دروسا لأحد في اي مجال من المجالات، خصوصا للبنان واللبنانيين. الأهم من ذلك، ان الاحتفال ببدء تزويد مفاعل بو شهر بالوقود لا يعني ان العالم سيتغاضى عن البرنامج النووي الإيراني وعن الإصرار على تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين في المئة. ان كل من دخل الجامعة لدرس الفيزياء النووية يعرف ان من يصل إلى نسبة الـ20 في المئة يصبح قادرا على انتاج السلاح النووي. هل العالم على استعداد لقبول إيران نووية ام لا ؟ هذا هو السؤال الكبير الذي لا علاقة لمفاعل بو شهر به. كلّ ما تبقى يمكن إدراجه في خانة البحث عن دور إقليمي يرتكز على حال الفراغ التي تعاني منها المنطقة في ضوء الضعف العربي وانهيار العراق الذي كان ركيزة من ركائز النظام الإقليمي والمنظومة الأمنية في الخليج والمنطقة عموما...
قبل إيران، حاول العراق في عهد صدّام حسين ان يلعب دورا اكبر من حجمه معتقدا ان نظاما قائما على الأجهزة الأمنية والقمع قادر على ان يشكل قوة إقليمية. معروف كيف انتهى صدّام وكيف انتهى العراق. لماذا لا تستفيد إيران من تجارب الماضي القريب وتنصرف إلى معالجة مشاكلها الداخلية بدل ان تفكر في تغطية هذه المشاكل عن طريق المزايدة على العرب والتدخل في شؤونهم وإعطائهم دروسا في الوطنية وفي كيفية مواجهة إسرائيل...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00