8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خمس سنوات على الانسحاب من غزة.. والرهان الإسرائيلي

قبل خمس سنوات، في آب من العام 2005، انسحبت اسرائيل من قطاع غزة. فككت مستوطناتها وانكفأت، من دون اي تنسيق من اي نوع كان مع السلطة الوطنية الفلسطينية، الى مواقع تقع خلف الحدود الدولية المعترف بها. تركت قطاع غزة، الذي سعت دائما الى التخلص منه، للفلسطينيين الذين وقعوا في الفخ الذي نصب لهم بعدما اعتقد قسم منهم ان غزة تصلح نقطة انطلاق لتحرير فلسطين من البحر الى النهر او من النهر الى البحر لافارق.
ما الذي نشهده بعد خمس سنوات على الانسحاب من غزة الذي اعتبره بعض الفلسطينيين انتصارا للمقاومة؟ الجواب اننا نشهد مأساة حقيقية تتمثل في عدم قدرة الفلسطينيين على استغلال فرصة الانسحاب الاسرائيلي وزوال الاحتلال، لأيّ سبب كان، من اجل تقديم نموذج لما يمكن ان تكون عليه دولة فلسطينية مستقلة. سقط الفلسطينيون ضحية فوضى السلاح بدل ان يستغلوا التخلص من الاحتلال كي يكشفوا للعالم وجههم الحضاري وقدرتهم على التأقلم مع المعطيات الاقليمية وتجييرها لمصلحة قضيتهم الوطنية.
تشكل غزة نموذجا للفشل الذريع في الاستفادة من اي ثغرة، مهما كانت ضيقة، لاقناع المجتمع الدولي بأن الفلسطينيين شعب قادر على بناء دولته والمحافظة على اي التزامات يتعهد بها. بدل البناء على الانسحاب الاسرائيلي وانتهاء الاحتلال، عمت فوضى السلاح كل القطاع. ووجد حتى من يدمّر الابنية وانظمة الري المتطورة التي تركها المستوطنون بدل المحافظة عليها واستخدامها بطريقة حضارية. لم تمض ايام على الانسحاب الاسرائيلي حتى بدأت المناوشات بين مقاتلي فتح وحماس. بنت حماس، بدعم ايراني وغير ايراني، ميليشيا خاصة بها. وفي منتصف حزيران 2007، نفّذت انقلابها الدموي من منطلق ان الانتصار على فتح وطردها من القطاع اهمّ بكثير من تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني.
بدا واضحا ان همّ حماس محصور بتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني من جهة وتحويل غزة ورقة ايرانية وغير ايرانية تستخدم ضد السلطة الوطنية الفلسطينية وضد مصر وضد كل من يرفض ان يكون الشعب الفلسطيني وقودا في معارك ذات طابع اقليمي لا علاقة له بها من قريب او بعيد.
في حال كان لا بدّ من تلخيص للوضع في غزة بعد خمس سنوات على تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي، يمكن القول ان اسرائيل كسبت رهانها. كان الرهان الاسرائيلي، وهو رهان ارييل شارون رئيس الحكومة وقتذاك، على ان الفلسطينيين في غزة سيكونوا مرة اخرى ضحايا فوضى السلاح وان حماس لا يمكن الا ان تنتصر على فتح في ضوء المساعدات الخارجية التي تحصل عليها، خصوصا من ايران.
الآن، يمكن الحديث عن كيانين فلسطينيين منفصل كل منهما عن الآخر وعن تحول غزة الى امارة اسلامية على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) وعن دفاع مستميت عن بقاء الحصار الاسرائيلي الظالم الى ما لا نهاية نظرا الى انه يسهّل على حماس اخضاع الشعب الفلسطيني في القطاع وعزله عن محيطه العربي. باختصار شديد، صارت غزة اسيرة الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط المحتجز في القطاع منذ حزيران من العام 2006. كيف يمكن لـحماس ان تقبل من الناحية الانسانية بالحصار الذي يطال ما يزيد على مليون ونصف مليون فلسطيني من اجل جندي اسرائيلي لا تعيره دولته اي اهتمام. على العكس من ذلك، تتذرع حكومة بنيامين نتانياهو بشاليط كي تحكم حصارها على غزة وكي تمارس ارهاب الدولة فيما العالم يقف موقف المتفرج...
على الصعيد السياسي، يتبين كل يوم ان حماس نفّذت المطلوب منها اسرائيليا بكل دقة وامانة في مقابل احتفاظها بالسيطرة على قطاع غزة والامتناع عن اي خطوة في اتجاه تحقيق المصالحة الوطنية على اسس واضحة تصب في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني. من يريد دليلا على ذلك، يستطيع العودة الى الطريقة التي انتهت بها الحرب على غزة اواخر العام 2008 وبداية العام 2009. حاصر الاسرائيليون القياديين في حماس بعد لجوء هؤلاء الى غرفة تحت الارض في احد المستشفيات وما لبثوا ان انسحبوا من دون المس بهم. انتهت الحرب فجأة وبقي القياديون على قيد الحياة مع فارق بسيط. قبل الحرب، كانت الصواريخ المضحكة - المبكية التي تطلق من غزة قادرة على تحرير فلسطين. بعد الحرب صار اطلاق الصواريخ من القطاع بمثابة خيانة وطنية. بقدرة قادر انتقلت الصواريخ بين ليلة وضحاها من موقع الوطنية الى الخيانة من دون ان يوجد من يطرح سؤالا واحدا عن السبب الحقيقي وراء هذا الانقلاب في المواقف الحماسية.
ما قد يكون اهم من ذلك كله، انه بعد خمس سنوات على الانسحاب الاسرائيلي من غزة، لا يزال الانسحاب يؤدي وظيفة محددة تتمثل في ايجاد الاسباب التي تبرر لاسرائيل عرقلة اي تسوية من اي نوع كان. مجرد وجود كيانين فلسطينيين، يسمح لحكومة بنيامين نتانياهو بطرح تساؤلات في شأن قدرة الفلسطينيين على التزام موقف موحد. مجرد هجوم حماس على امكان العودة الى المفاوضات المباشرة يؤكد ما يسميه الاسرائيليون شكوكا بصدقية الموقف الفلسطيني.
قبل خمس سنوات، برر دوف فايسغلاس، مدير مكتب ارييل شارون وقتذاك، الانسحاب من غزة برغبة اسرائيل بالامساك بطريقة افضل بالقدس الشرقية وقسم من الضفة الغربية. يتبين الآن انه لم يتغير شيء في السياسة الاسرائيلية. كل ما في الامر ان بيبي نتانياهو ينفّذ سياسة شارون بطريقة افضل منه. كيف لا وهناك في الجانب الفلسطيني من يعمل كل ما في وسعه من اجل اضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية واظهارها في مظهر العاجز عن التفاوض باسم الفلسطينيين والتقدم في اتجاه قيام الدولة المستقلة. الخوف كل الخوف ان يصدق من قال ان الفلسطينيين الفلسطينيين لا يفوتون فرصة الاستفادة من اي فرصة تظهر امامهم. ثمة من يرد بأن لا وجود لفرصة فلسطينية الآن. ولكن هل من الضروري قطع الطريق على اي فرصة مهما كان الامل بظهورها ضعيفا؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00