8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حاجة لبنان الى القرار 1701 وإلى المحكمة

قبل كل شيء، ان المحافظة على الاستقرار والامن والسلم الاهلي في لبنان مصلحة عربية لا اكثر ولا اقلّ. ولذلك، ليس في مصلحة لبنان المزايدة على احد وليس في مصلحة اي طرف اقليمي المزايدة على لبنان. يدرك العرب الحقيقيون هذه المعادلة وهم يساعدون حاليا في جعل اللبنانيين يستوعبونها حرصا على بلدهم ومستقبل ابنائهم. ولذلك كانت زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لبيروت والرئيس بشار الاسد. ولذلك ايضا كانت زيارة امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ترافقه عقيلته الشيخة موزة. جاءت زيارة امير قطر مباشرة بعد مغادرة العاهل السعودي والرئيس السوري العاصمة اللبنانية. يبدو واضحا ان هناك شعورا عربيا عميقا بخطورة الوضع في لبنان وبضرورة لملمته في اسرع ما يمكن. وهذا ليس عائدا الى الايمان بان لبنان بلد مهم للعرب من زاوية انه يقدم صورة حضارية عنهم بفضل العيش المشترك بين طوائف ومذاهب مختلفة فحسب، بل لان الاستقرار اللبناني بات جزءا لا يتجزأ من الاستقرار الاقليمي. هل هناك طرف عربي مستعد في الوقت الراهن للمجازفة باي مساس بالاستقرار في لبنان، خصوصا ان اي صدام داخلي سيتخذ من دون ادنى شك طابعا مذهبيا لا يخدم سوى إسرائيل؟ الاهم من ذلك، هل هناك ما يضمن ان تبقى اي مواجهة بين لبنان وإسرائيل وحتى بين ميليشيا حزب الله وإسرائيل في اطار محصور والا تتحول الى حرب يشارك فيها غير طرف اقليمي؟
من هذا المنطلق، لا مفرّ من التساؤل عمّا يمكن عمله لتفادي اي تدهور في لبنان؟ الجواب بكل بساطة ان في استطاعة لبنان اتخاذ سلسلة من الخطوات تصب في تكريس الاستقرار. هناك قبل اي شيء آخر القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة صيف العام 2006 والذي يفترض في لبنان المحافظة عليه. تأتي بعد ذلك المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وهي محكمة قامت بموجب قرار صادر عن مجلس الامن ايضا ولا هدف لها سوى اقرار العدالة ووقف مسلسل الاغتيالات الذي يعصف بلبنان وكشف حقيقة الجرائم التي ذهب ضحيتها منذ آذار من العام 1977، تاريخ اغتيال كمال جنبلاط، احد كبار رجالات البلد.
ليس طبيعيا السعي الى النيل من القرار 1701. درست كل كلمة في القرار، الذي اتخذ في وقت كانت دولة قطر تمثل المجموعة العربية في مجلس الامن، بدقة متناهية. وقد لعب الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئس الوزراء وزير الخارجية القطري دورا مهما وقتذاك في صياغة القرار بطريقة تجعله يصبّ في مصلحة لبنان خصوصا والعرب عموما. شكل القرار بداية مرحلة في لبنان نظرا الى انه سعى الى تحويل الجنوب منطقة سلام بدل ان يكون مجرد ساحة تستخدم لتوجيه رسائل من هذا الطرف العربي او غير العربي او ذاك الى إسرائيل من دون اي اخذ في الاعتبار لمصلحة اهل الجنوب الذين عانوا الامرّين منذ تخلي الدولة اللبنانية عن سيادتها على تلك المنطقة في العام 1969، تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم مع منظمة التحرير الفلسطينية. تكمن اهمية القرار 1701 في انه عزز القوة الدولية الموجودة في جنوب لبنان من جهة وسمح بعودة الجيش البناني الى تلك المنطقة العزيزة على قلب كل لبناني من جهة اخرى وذلك بعد غياب استمر نحو ثلاثة عقود.
من واجب لبنان حكومة وشعبا المحافظة على القرار 1701 برموش العين نظرا الى ان القرار وسيلة لمنع اي اعتداءات إسرائيلية فضلا عن انه يتيح لاهل الجنوب اعادة بناء بلداتهم وقراهم ومنازلهم واستغلال الثروات التي في المنطقة بحماية الجيش اللبناني الذي اظهر اخيرا مدى حرصه على الدفاع عن كل شبر من ارض الوطن الصغير.
نعم هناك خريطة طريق للمحافظة على الاستقرار في لبنان. البداية تكمن في الامتناع عن تحويل الجنوب صندوق بريد لأيّ كان وفي التزام قواعد الاشتباك التي حددها القرار 1701. المهم تفادي الدخول في لعبة التذاكي على المجتمع الدولي الذي يعرف تماما اهمية المحافظة على الاستقرار في جنوب لبنان. لو لم يكن الامر كذلك، لما كانت هناك قوات دولية معززة في المنطقة. تضم هذه القوات بين ما تضم كتيبة تركية. هل ارسلت تركيا جنودا الى جنوب لبنان لو لم تكن على معرفة مسبقة ودقيقة بما على المحك وباهمية ايجاد وسيلة للحؤول دون اندلاع حرب جديدة انطلاقا من الجنوب؟
يتمثّل الجزء الثاني من خريطة الطريق بترك المحكمة الدولية تقوم بما عليها القيام به بعيدا عن التساؤلات والاتهامات. لبنان في حاجة الى المحكمة. لبنان في حاجة الى معرفة من ارتكب الجرائم التي ذهب ضحيتها رفيق الحريري ورفاقه ومجموعة من اشرف اللبنانيين العرب على راسهم سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار امين الجميل وانطوان غانم واللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد والشهداء الاحياء مروان حماده ومي شدياق والياس المرّ. لن تستقيم الامور في لبنان في حال التعرض للمحكمة التي تعرف تماما ما المطلوب منها. المحكمة وحدها تحدد ما اذا كان هناك ما يسمى شهود زور وما اذا كان هناك ما يستدعي ملاحقة هؤلاء.
يستطيع العرب خدمة لبنان عن طريق ابعاده عن الحرب التي تبدو المنطقة في انتظارها. لا حاجة الى اي تأويلات من اي نوع كان، لا بالنسبة الى القرار 1701 ولا بالنسبة الى المحكمة. لامفر من ترك الجيش اللبناني يؤدي مهماته في الجنوب بعيدا عن اي التفاف من اي نوع كان على القرار 1701. ولا بدّ في الوقت ذاته من ترك المحكمة وشأنها. في ذلك مصلحة عربية نظرا الى ان اي شرارة تنطلق من لبنان سيتجاوز حريقها حدود الوطن الصغير. هل من مصلحة عربية في حرائق اقليمية... تنطلق من الوطن الصغير؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00