8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل الوضع الفلسطيني ميؤوس منه؟

ما الذي يطلبه بنيامين نتانياهو من الفلسطينيين؟ الجواب بكل بساطة انه يريد منهم التفاوض معه من اجل توقيع صك استسلام يتخلون بموجبه عن جزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. لذلك، يبدو بيبي مستعجلا على معاودة المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة. في الواقع، يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تكريس الاحتلال وتفادي قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، اعتراف الفلسطينيين بوجود غالب ومغلوب وبضرورة أن يفرض المنتصر شروطه على المهزوم. هذا ما يريده من دون أي مواربة مستفيدا من قناعة الإدارة الأميركية بوجوب العودة إلى المفاوضات المباشرة بين نتانياهو ورئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبو مازن)، وذلك لأسباب أميركية قبل أي شيء آخر...
ما دام الرئيس باراك أوباما استسلم أمام بيبي نتانياهو، لماذا لا يستسلم محمود عبّاس بدوره أمام ما يراه رئيس الوزراء الإسرائيلي؟ ربما كان ذلك هو السؤال الذي يطرحه نتانياهو على نفسه يوميا، خصوصا أن الأجواء في الشرق الأوسط مواتية هذه الأيام لإسرائيل، بعد كل ما فعله الأميركيون في العراق من اجل ضرب منظومة الأمن العربية عن طريق تفكيك هذا البلد الأساسي الذي يشكل إحدى الركائز الأساسية لهذه المنظومة.
من الناحية العملية، وفي حال كان على المرء أن يكون واقعيا، يبدو الفلسطينيون في وضع لا يحسدون عليه، على الرغم من حصولهم على غطاء عربي، في حال شاؤوا العودة إلى المفاوضات المباشرة. في الواقع ليس في استطاعة العرب تقديم أكثر من هذا الغطاء في ظل التعقيدات التي تمر بها المنطقة. يكفي التفكير مليا في الأخطار التي يمثلها العراق في الوقت الراهن للتأكد من ذلك. ما يشهده العراق لا يشكل خطرا على العراق نفسه فحسب، بل أن التجاذبات التي يشهدها البلد تشير أيضا إلى أن العراق بات يشكل خطرا على كل المنطقة، خصوصا الدول المحيطة به بما في ذلك تركيا وإيران.
المؤسف أن على الفلسطينيين القتال على غير جبهة... ولذلك، يطلب منهم نتانياهو الاستسلام من دون قيد أو شرط والتخلي عن القدس نهائيا وعن أجزاء من الضفة الغربية بما يرضي المستوطنين وأقصى اليمين الإسرائيلي الذي يمثله حاليا وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الآتي إلى إسرائيل من مولدافيا حيث كان يعمل حارسا عند باب احد النوادي الليلية!
لعلّ المشكلة الأولى التي تواجه الجانب الفلسطيني هي مشكلة حماس التي تسعى كلّ يوم إلى إضعاف الموقف الفلسطيني وإيجاد أسباب تستند إليها إسرائيل كي تبرر سياستها القائمة على ممارسة إرهاب الدولة. فـحماس، عبر الشعارات التي تطلقها، لا تريد زوال الاحتلال وتحويل غزة نموذجا لما يمكن أن تكون عليه نواة الدولة الفلسطينية القادرة على تشكيل عامل استقرار على الصعيد الإقليمي. على العكس من ذلك، تستغل حماس الانقلاب الذي نفّذته في منصف العام 2007 من اجل تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتحويل الاقتصاد الفلسطيني اقتصادا ريعياً يعتاش من المساعدات والتهريب وكل ما هو متعارض مع القوانين. أكثر من ذلك، توفّر حماس لبعض القوى الإقليمية التي تعتاش من المأساة الفلسطينية فرصة كي يكون الشعب الفلسطيني وقودا في معارك لا علاقة له بها من قريب أو بعيد. لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن تبرير إطلاق الصواريخ المضحكة- المبكية من غزة... ثم من سيناء في اتجاه أراض أردنية وكأن الإساءة إلى الأردن تخدم القضية الفلسطينية في شيء.
تمثل ممارسات حماس مصيبة كبرى للشعب الفلسطيني واكبر خدمة يمكن تقديمها إلى حكومة بنيامين نتانياهو التي تصرّ على الحصار الظالم لغزة وهو حصار يصب في مصلحة حماس ويزيد في الوقت ذاته من معانة المواطن العادي المقيم في القطاع ويساهم في إخضاعه وإذلاله.
فضلا، عن مصيبة حماس، على الفلسطينيين المعاناة من وضع عربي لا يبشر بالخير. شئنا أم أبينا، لا همّ لدول الخليج العربي سوى الخطر الإيراني وهو خطر حقيقي، خصوصا بعدما تبين أن إيران قادرة على التغلغل في العراق ومنع تشكيل حكومة فيه على الرغم من مضي خمسة أشهر على إجراء الانتخابات النيابة. أكثر من ذلك، كلما بدت إيران محشورة بسبب العقوبات الدولية، تزيد من ضغطها في هذه المنطقة العربية أو تلك فتحرك حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن...
فوق ذلك كله، تأتي الإدارة الأميركية التي اكتشفت أخيرا إنها غير قادرة على تنفيذ الوعود التي قطعتها للجانب الفلسطيني وذلك ليس بسبب عجزها عن ممارسة أي ضغط على نتانياهو فحسب، بل بسبب انشغالها بمسائل أخرى في مقدمها المستنقع الأفغاني. فرض عليها المستنقع الأفغاني التزام مواعيد الانسحاب من العراق من دون أي تقدير للنتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الخطوة، خصوصا على صعيد إطلاق يد إيران في هذا البلد الذي كان يعتبر عربيا إلى ما قبل فترة قصيرة.
هل الوضع الفلسطيني ميؤوس منه؟ من حسن الحظ أن الفلسطينيين يبدون قدراً من الحكمة ويقاومون الإسرائيلي عن طريق بناء مؤسساتهم في الضفة الغربية. هناك ايجابيات قليلة من نوع رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في واشنطن وباريس. هذا ليس كافيا ولكنه أفضل من لا شيء. يبقى الأهم من ذلك كله، أن المقاومة الحقيقية تحصل على الأرض وذلك عن طريق بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية التي تحول دون أي نوع من العمليات الانتحارية من جهة وتجعل ارض الضفة الغربية مرحبة بأهلها بدل أن تكون طاردة لهم. هذه المؤسسات الأمنية كرست حدا أدنى من الاستقرار جعل الاقتصاد الفلسطيني يتطور بما يحول دون انهيار في الضفة شبيه بانهيار غزة. أن تفادي مثل هذا الانهيار هو الذي يحول دون توقيع صك استسلام أمام حكومة بنيامين نتانياهو وهو الذي يحول دون الخوف من المفوضات أكانت مباشرة أو غير مباشرة. أخيرا تعلّم الفلسطينيون، ولكن بعد دفعهم ثمنا غاليا، أن عليهم الاتكال على أنفسهم أولا...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00