إذا تنبّه الجانب الفلسطيني الى أن الأولوية الأميركية في الوقت الراهن هي للعراق، يفترض به أن يعد نفسه لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة بطريقة تجعل إدارة الرئيس بوش الإبن قادرة على استخدام الورقة الفلسطينية بما يخدم قضية هذا الشعب، بدل الإضرار بها.
من هذا المنطلق، يمكن القول أن ليس أمام السلطة الوطنية الفلسطينية سوى خيار واحد يأخذ في الاعتبار الاهتمام الأميركي بالعراق ويقطع الطريق على آرييل شارون الساعي الى أن يكون الانسحاب من غزة خطوة في اتجاه تكريس الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية ولجزء من الضفة الغربية.
إن الاهتمام الأميركي بالعراق واقع لا مفرّ منه، ولكن ما يستطيع الفلسطينيون عمله يتمثل في تفادي السقوط في اعتبار الانسحاب الإسرائيلي من غزة انتصاراً وتحويل غزة الى جبهة تطلق منها الصواريخ. على العكس من ذلك، إذا استطاعت السلطة الوطنية الفلسطينية تحويل غزة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي منطقة آمنة يسودها الهدوء بدل أن يحتل شوارعها مسلحون ملثمون يطلقون النار في الهواء، ستزداد الضغوط على الإدارة الأميركية كي تنفّذ ما وعد به الرئيس بوش الإبن لجهة إقامة "دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة". ومثل هذه الدولة ستخدم الاستقرار في المنطقة كما ستخدم الاستراتيجية الأميركية في العراق نظراً الى أن الأميركيين سيكونوا قادرين على القول للمعترضين على سياساتهم في الشرق الأوسط أنهم يفون بما يعدون به وأن كلامهم عن ضرورة قيام دولة فلسطينية لم يكن مجرد مسكّنات لا هدف منها سوى تهدئة الشارع العربي.
لماذا هناك أولوية أميركية للعراق؟ لسبب في غاية البساطة يتمثل في أن الجنود الأميركيين يقتلون في ذلك البلد يومياً أكثر من ذلك، صار الوجود الأميركي في العراق مكلّفاً وبات هناك شعور لدى الرأي العام الأميركي بأن الحرب لم تكن فكرة جيدة. وما يؤكد ذلك أن نسبة أربعة وأربعين في المئة من الأميركيين فقط تؤيد الحرب في حين كانت هذه النسبة الى ما قبل فترة قصيرة تزيد على اثنين وستين في المئة. فضلاً عن ذلك، بدأ أعضاء جمهوريون في مجلسي الشيوخ والنواب في حض الرئيس بوش الإبن على البحث عن مخرج من العراق، خصوصاً أن احتلال هذا البلد لم يؤد الى هبوط أسعار النفط بل على العكس من ذلك، طرأت عليها زيادة لا سابق لها.
وفي وقت بدأت الإدارة الأميركية تبحث فعلاً عن مخرج من العراق، اكتشف المسؤولون الأميركيون أنه لا يمكن إعادة تركيب البلد من دون السنة العرب، وها أن جهودهم تركّز حالياً على كيفية إدخال هؤلاء في اللعبة السياسية. ولا شك أن هذه الجهود لم تكن غائبة عن الجولة التي قامت بها في المنطقة حديثاً وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
يفترض في الأولوية الأميركية للعراق ألا تلهي الفلسطينيين عن هدف أساسي يتمثّل في جعل الانسحاب من غزة مقدمة للانسحاب من الضفة الغربية. وذلك ممكن في حال بدأ الإعداد منذ الآن لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، فتتحوّل غزة بعد الانسحاب الى منطقة آمنة تكون بمثابة رسالة الى العالم وإلى الأميركيين تحديداً فحواها أن الشعب الفلسطيني يستأهل دولة.
في حال نجح الجانب الفلسطيني في ضبط الأوضاع في غزة، ستكون الولايات المتحدة في الوضع المجبر على مساعدته، لا لشيء سوى لأنها ستكون قادرة عندئذ على القول أن ما يشاع عن انحيازها الأعمى لإسرائيل ليس صحيحاً مئة في المئة كما ليس صحيحاً أن حرب العراق ليست سوى تنفيذ لأجندة إسرائيلية اعتمدها المحافظون الجدد. ليس أمام الجانب الفلسطيني خيار آخر، إلا إذا كان يعتقد أن لعبة السلاح، وهي اللعبة المفضّلة لآرييل شارون، يمكن أن تخدمه. وحتى الآن لم تؤد هذه اللعبة سوى الى تمكين إسرائيل من كسب الوقت. ومكّنها ذلك من فرض أمر واقع جديد يتمثل حالياً في أن انسحاب القوات الإسرائيلية الى المواقع التي كانت فيها قبل اندلاع الانتفاضة الأخيرة صار مطلباً وطنياً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.