مرّ مئة يوم على اغتيال رفيق الحريري الذي استشهد من أجل لبنان وسوريا والعرب كل العرب، الرجل الذي حلم بعالم عربي من دون حواجز بين دوله ومواطنيه. عالم عربي يستطيع التعاطي مع العالم وأن يكون جزءاً منه. ولذلك، أول ما يمكن أن يوصف به الذين اغتالوا رفيق الحريري، إضافة بالطبع الى وصف المجرمين، أنهم متخلّفون لا علاقة لهم بما يدور في بلادهم والعالم.
غيّر اغتيال رفيق الحريري المعطيات في المنطقة بدليل أنه أخرج القوات السورية والأجهزة التي تسيّرها من لبنان. وهذا التطوّر لا علاقة له بلبنان فحسب بمقدار ما أنه مرتبط بالتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط الذي حاول رفيق الحريري أن يلعب انطلاقاً من لبنان دوراً على طريق ربطه بالعالم.
كان الحلم كبيراً. كان حجمه يفوق لبنان، لكنه كان أولاً فعل إيمان بلبنان وبما يمثله. كان في الواقع رهاناً على لبنان وقد نجح رفيق الحريري في رهانه. من كان يتصوّر أن بيروت ستعود لؤلؤة البحر المتوسط؟ من كان يتصوّر أن العرب جميع العرب سيعودون الى بيروت والى كل لبنان بالطريقة التي عادوا بها؟ من كان يتصوّر أن العالم سينظر مجدداً الى لبنان كلبنان؟
كان المقصود اغتيال لبنان وليس مجرد اغتيال لشخص رفيق الحريري صاحب المشروع السياسي والاقتصادي. فالرجل الذي تجرأ وقال أن لبنان بلد يستحق الحياة، وبرهن عن ذلك بالفعل وليس بمجرد الكلام... وليس بمجرد إطلاق الشعارات الطنانة.
إن المشروع الذي حلم به رفيق الحريري ونفّذه على الأرض هو الذي مكّن لبنان من أن يخطو خطوة كبيرة الى أمام على طريق استعادة سيادته واستقلاله. وليس بعيداً اليوم الذي يستعيد فيه البلد الصغير قراره الحرّ من دون أن يعني ذلك في أي شكل تنكّره للإخوة العرب على رأسهم الشعب السوري الذي سعى رفيق الحريري الى تحسين أوضاعه وتمكينه من الصمود في وجه كل ما يتعرّض له...
كان رفيق الحريري أشد الناس حرصاً على سوريا ولبنان في آن ولم يغب عن باله في أي وقت أن سوريا القوية مصدر قوة للبنان كما أن لبنان القوي مصدر قوة لسوريا، ولذلك كان مستغرباً أشد الاستغراب أن يواجه مشروعه بما ووجه به من الأدوات السورية في لبنان. تلك الأدوات التي لا يمكن أن يلجأ إليها سوى الجاهل بأمور سوريا ولبنان أو من لا يريد الخير لا لسوريا ولا للبنان.
الملفت بعد مئة يوم على اغتيال رفيق الحريري أن هناك شعورين متناقضين ينتابان بعض الذين أنعم عليهم الله فعرفوا الرجل عن كثب لسنوات طويلة. يتمثل الشعور الأول بالفرح. إنه فرح بأن المشروع الذي نادى به رفيق الحريري حي أكثر من أي وقت. إنه مشروع العيش المشترك بين اللبنانيين والفخر بالانتماء الى لبنان، لبنان تظاهرة 14 آذار التي أظهرت من كل الزوايا وبكل الكاميرات أن هناك شعباً يستحق الحياة وأن يحكم نفسه بنفسه وأن كل ما قيل عن أنه يحتاج الى وصاية دائمة كلام في غير محله.
لم يكن لبنان 14 آذار انتصاراً لفئة من اللبنانيين على أي فئة أخرى، ذلك أن رفيق الحريري لم يقبل يوماً أن ينتصر لبناني على آخر ولم يكن لديه همّ غير الانتصار على إسرائيل، على العكس من الذين يعملون في الواقع في خدمة مخططاتها وهم يصيحون بأعلى الصوت أنهم في مواجهة معها وينحرون شعوبهم تحت شعار الصمود والمواجهة.
أما الشعور الآخر، فهو ذلك الذي يتمثل بالحزن اليومي وافتقاد ابتسامة رفيق الحريري التي تدخل الاطمئنان الى القلب في كل لحظة. هذا الشعور عائد الى أن كل المصائب تبدأ كبيرة وتصغر مع الوقت في حين أن مصيبة غياب رفيق الحريري بدأت كبيرة وتكبر كل يوم، وذلك على حد تعبير رجل شهم وصادق اسمه فؤاد سنيورة.
بعد مئة يوم على اغتيال رفيق الحريري، هناك عزاء يوفره في شخص سعد الحريري الذي أعاد الأمل الى النفوس الخائفة. وهناك عزاء آخر في أن العالم لن يقبل بأقل من معرفة من قتل رفيق الحريري، من قتل باني بيروت، من قتل حلم أن يكون لبنان كله مزدهراً وليس بيروت وحدها، من قتل في كل منا الحلم بوطن عربي كبير من دون حدود داخلية لا تتجرأ فيه يد عربية على المس برجل لم يرد سوى الخير للعرب الآخرين؟
هناك عزاء أخير بأن العالم سيذهب الى النهاية في تحديد المجرمين والاقتصاص منهم، وهذا ما يفترض أن يدركه اللبنانيون الذين عليهم أن يتذكروا باستمرار أن برلين الغربية هي التي انتصرت على برلين الشرقية وليس العكس!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.