ليس مستغرباً أن يواجه الأميركيون كل هذه الصعوبات في العراق. هناك مقاومة حقيقية للاحتلال، يؤكدها سقوط عشرات القتلى منذ إعلان الرئيس بوش الابن انتهاء العمليات العسكرية في أول أيار الماضي. سقط عشرات القتلى الأميركيين فيما تشير شهادات لشهود عيان أن الطريقة التي يتعامل بها الجيش الأميركي مع العراقي العادي لا توحي بأن الأميركيين الذين يتعاطون مع الشأن العراقي يعرفون شيئاً عن طبيعة البلد والعراقيين أنفسهم.
كان الجنرال المتقاعد جاي غارنر الذي جيء به في البداية الى العراق جاهلاً بكل ما له علاقة بالبلد. كان رجلاً طيباً، حتى لا نقول ساذجاً الى درجة أنه كان يظن أن الفلسطينيين يحتلون أراضي إسرائيلية وليس العكس! وكان مفهوماً أن تضطر الإدارة الأميركة الى سحب غارنر في أول مناسبة وأن ترسل مكانه بول بريمر الذي يحاول أن يعرف ما هو العراق، أو على الأصح أن يتعرف إليه. ولذلك نراه يجرب ثم يتراجع، ثم يجرب مجدداً. هل هناك عاقل يتخذ قراراً بحل الجيش العراقي من منطلق أن هذا الجيش ينتمي الى النظام الذي أسقطه الأميركيون، في حين أن الجيش كان ألد عدو للنظام ولم يدافع عنه في أي وقت ما اضطر صدام حسين الى اعدام مئات الضباط وإلى انشاء الحرس الجمهوري، ثم الحرس الجمهوري الخاص بغية التأكد من أن لديه بديلاً من هذا الجيش الذي يعتبر قبل كل شيء جيشاً وطنياً؟
لم يكن قرار حل الجيش الخطأ الوحيد الذي ارتكبه بريمر، إذ هناك قرار حل وزارة الإعلام، وكأن موظفي هذه الوزارة عملاء للنظام في حين أنهم كانوا من أشد الناس كرهاً له نظراً الى أنهم اختبروا عن كثب كيف كان النظام يتعاطى مع المواطن العادي عبر الأكاذيب التي كان يبثها... ولا شيء غير الأكاذيب.
تكفي عملية حسابية بسيطة للتأكد من أن قرار حل الجيش العراقي خطأ كبير، لا بد من العودة عنه في أسرع وقت. هناك ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف عائلة عراقية تعيش من الرواتب التي تدفع لأفراد هذا الجيش، بدءاً بالجندي العادي وانتهاء بالضابط الكبير. هل هناك من سأل: ماذا ستفعل هذه العائلات التي وجدت أن أرزاقها قطعت من دون أن يكون هناك بديل من الرواتب التي يتقاضاها المعيلون لها، وذلك بغض النظر عن قيمة هذه الرواتب؟
الى الآن لم يرتكب الأميركيون في العراق سوى الأخطاء وربما كان ذلك عن حسن نية، ولكن آن أوان الاستعانة بأشخاص يعرفون البلد جيداً، ويعرفون خصوصاً أن العراق عبر كل مراحل تاريخه الحديث حكم بواسطة سلطة مركزية قوية انطلاقاً من بغداد. وساهم في ذلك جيش عراقي حافظ دائماً على حد أدنى من الاحتراف على الرغم من كل الضغوط التي تعرض لها الضباط بما في ذلك الاعدامات الجماعية.
هل هو نقص في المعلومات، أم هناك نية في تغيير كل شيء في العراق بما في ذلك إعادة النظر في وحدة البلد بغية السيطرة عليه وعلى ثرواته فيكون الأميركيون بدأوا بذلك إعادة رسم خريطة المنطقة؟ وهي بداية خاطئة ستعود عليهم بالويلات.
إن التصرفات الأميركية تشير الى أن ثمة حاجة الى إعادة النظر في الخطط المرسومة للعراق. وأول ما يفترض عمله في هذا المجال، الاقتناع بأن الاستقرار في العراق لا يمكن أن يأتي إلا من خلال قيام جيش قوي ذي عقيدة واضحة تتلخص بالدفاع عن البلد كله وعدم التدخل في الشؤون السياسية. ولا يزال الجيش الذي حله السيد بريمر النواة الوحيدة الصالحة لإعادة تشكيل القوات المسلحة بما يضمن للأميركيين ولغير الأميركيين الأمن في المدى القصير والمتوسط وبما يضمن للمواطن العراقي حياة كريمة الآن وفي المستقبل. أما أمن الأميركي في المدى الطويل فلا يضمنه سوى زوال الاحتلال ولا شيء آخر.
ليس كافياً أن يقول الحاكم المدني للعراق إن نحو 20 ألف شرطي عراقي يعاونون القوات الأميركية في حفظ الأمن. وهو منذ قال هذا الكلام في البحر الميت بين 21 و23 حزيران الماضي، زادت العمليات التي تستهدف الأميركيين وبدأت تظهر بوادر لمقاومة منظمة لن تتوقف إلا إذا شعر العراقيون بأن هناك أداة أمنية وطنية تعرف كيف تتعامل معهم ولا تشعرهم بالذل الذي يشعرون به الآن.
لم يفت الوقت لإعادة إحياء مؤسسة الجيش العراقي بطريقة سليمة تأخذ في الاعتبار التوازنات القائمة في البلد، ذلك أن مثل هذه الخطوة ستساعد الى حد كبير في المحافظة على الأمن، أمن الجنود الأميركيين والبريطانيين، عندئذٍ سيكون في استطاعة الإدارة الأميركية أن تحدد أهدافها بهدوء أكثر لعلها تدرك ما تستطيع عمله في الشرق الأوسط وما لن تكون قادرة على عمله إذا أصرت على تجاوز الواقع. والواقع يعني أنه كلما زال الاحتلال باكراً في ظل عراق آمن، كلما كان ذلك في خدمة قيام عراق جديد لا ترتاح اليه الإدارة الأميركية وحدها، بل الدول المحيطة به أيضاً، وهذا أمر في غاية الأهمية إذا كانت أميركا تبحث فعلاً عن الاستقرار في الشرق الأوسط. والتشديد هنا على كلمة إذا قبل أي شيء آخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.