ترامب والطالبان وايران: الى اين ؟

عندما يفاوض الرئيس دونالد ترامب لا يعود احد يصدقه . نشر المواقف الملغومة او المعاكسة وحتى الكاذبة، جزء من التكتيك "الترامبي" في المفاوضات . إلغاء ترامب للقاء "الطالبان "في كامب دايفيد قد يكون من تكتيكه ولكن يجب هذه المرة النظر بالقرار وأبعاده الداخلية والخارجية معا .
•داخليا لم يتحمل حتى المؤيدين لترامب من "الجمهوريين" دعوة الطالبان الى كامب دايفيد التي أنتجت القاعدة واوت بن لادن وناصرته في فترة ١١ايلول وما تحمله من ذكريات وآلام للذاكرة الشعبية الاميركية وقد عارضوا الدعوة علنا . ترامب وفي محاولة مدروسة عمل على إقامة التوازن بين الذاكرة الشعبية والحدث اليومي الدامي في افغانستان ، فأعلن إلغاء اللقاء والاتفاق لان الطالبان قتلوا جنديا اميركيا قائلا :"ما نوع هؤلاء الناس الذين يقتلون الكثيرين لكي يظهروا بمظهر القوة في موقفهم التفاوضي " وكان الجيش الاميريكي لا يقتل لتحقيق الهدف نفسه. الطالبان لم يخف موقفهم فاعلنوا "يجب ان يفهموا اننا لسنا ضعفاء " . هذا مع العلم ان الامركيين خسروا هذا العام في افغانستان ١٦ جنديا حتى الان . 
واشنطن سربت ان باب المفاوضات لم يغلق وهذا واقعي جدا . ترامب يريد تحقيق إنجاز تاريخي يدعمه في معركة اعادة انتخابه في العام القادم ،ولا يوجد بالنسبة للاميركي العادي انجازا اهم من إنهاء أطول الحروب الخارجية لبلادهم ،حيث مضى على الحرب في افغانستان ١٨ سنة كلفت ٣٢٠٠قتيل اميركي ٢٠٥٠٠ جريح ،واستهلكت رسميا٧٦٠مليار دولار وفعليا اذا حسبت تكاليف مداواة الجرحى وفوائد القروش الى ترليون دولار. الى جانب ذلك فان ٥٤٠٠جندي اميركي سيعودون الى عائلاتهم .
• خارجيا تبدو القضية اكثر تعقيدا لان الحرب والخلاص منها هي ايضا قضية اقليمية اطرافها :ايران والهند وباكستان مباشرة ،وروسيا والصين بطريقة غير مباشرة… ايران موجودة حدوديا وتتقاسم مع افغانستان الشراكة بالبلوش وطموحاتهم بإقامة "بلوشستان الكبرى ". والاهم ان ايران موجودة في قلب التركيبة الشعبية ، ذلك ان "الهزارة " الشيعة أصبحوا من فترة طويلة "راس الحربة "الايرانية وقد أغدقت عليهم كل شيء من المال الى مشاريع التنمية والحضور الإعلامي بحيث ان رجلهم الشيخ آصف محسني اسس شبكة "تمدن "التلفزيونية وأختها "نور" وإذاعة "صوت افغان "وصحيفة"انصاف" ويقيم الخبراء الايرانيون ورشات عمل للعاملين في هذه المؤسسات ، علما ان نصف الشعب الافغاني يتكلم الفارسية وقد انتج كل هذا اضافة الى الاهتمام بالبنى التحتية حصول الهزارة على ٦١نائبا من أصل ٢٤٩ نائبا اي اكثر بكثير من نسبتهم من التكوين العرقي والطائفي ، لكن يبدو ان التمدد الايراني لا يقتصر على الهزارة فهي استقبلت الزعيم البشتوني قلب الدين حكمتيار عام ١٩٩٦ الى جانب لجوء حوالي مليون ونصف افغاني مما سمح لها بتشكيل لواء "الفاطميون " الذي انخرط في الحرب في سوريا تحت إمرة الجنرال قاسم سليماني الى جانب لواء "الزينبيون "الباكستاني . لا يعني كل هذا التداخل الايراني _الافغاني ان كل علاقاتهما "أقراص من العسل ",اذ توجد ملفات خلافية عديدة معلقة ابرزها : تقاسم المياه …عودة اللاجئين بعد ان أصبحوا مشكلة اقتصادية في وقت عصيب تمر فيه ايران بسبب المقاطعة الاميركية … زراعة الخشخاش وتصنيع الأفيون وتهريبه عبر الحدود المشتركة .
ايران مهتمة اكثر فاكثر بالانتخابات الرئاسية في مطلع الربيع القادم وهي تامل بانتخاب رجلها حكمتيار او على الأقل احد القريبين منها . ويبدو ان ترامب فهم التصعيد الطالباني بانه رسالة ايرانية له ليعلم منها أقادرة على خلط الأوراق ، وهو بدوره أعاد الرسالة الى عنوانها بانه قادر على إلغاء كل شيء وان كان قد ترك الباب مفتوحا امام اللقاء مع الرئيس حسن روحاني . 
لا شك ان بناء ميناء "تشابهار "يشكل ورقة رابحة بيد ايران لان الهند تريده باي ثمن خصوصا وانه يدعمها في مواجهتها مع باكستان وحتى الصين … 
امام كل هذه التعقيدات لا يبدو ان المصالحة الاميركية مع طالبان ستكون غدا لإيران مصلحة مباشرة في غرق ترامب في الحرب الافغانية حتى يلح في طلب المساعدة . وموسكو لن تكون مستعجلة لنجدته خصوصا وان للذاكرة الشعبية الروسية حسابات قديمة ومؤلمة .